ثقافة و فن

في الدولة الإجتماعية بين الوعود المعلنة والإنجازات الفعلية: تدخل في ندوة. ذ. عبدالواحد حمزة

تدخل مقتضب/ ليس مداخلة للأستاذ عبد الواحد حمزة، عضو مكتب مركز بنسعيد آيت إيدر للدراسات والابحاث، مساءلا -ومقدما في ذلك توطأة وإشكالات فكرية وسياسية إقتصادية وإجتماعية فارقة- كل من الأستاذين الكريمين نور الدين العوفي وسعد الطاوجني، في ختام ندوة حول حصيلة الدولة الإجتماعية بالمغرب، بين الوعود المعلنة والإنجازات الفعلية، ليومه 17 يوليوز 2026، نظمها المركز بدار المحامي بالبيضاء.

 . السؤالين الموجهبن لفضيلة المتدخلان الاساسيان في الموضوع:

الأستاذ المحترم العوفي نور الدين، تحية طيبة!
أتوجه إليكم في البدىء قبل أن أسأل ايضا الأستاذ الخبير ايضا في أنظمة الصحة و الحماية الإجتماعية والتقاعد وغيره، كما حددت الورقة التأطيرية للندوة ذلك (السياق العام والهدف، من السؤال التنظيري إلى الإختيار التطبيقي، فإشكالية الندوة ومحاورها من تقييم لبرنامج الحماية الإجتماعية، الى إصلاح التغطية الصحية الشاملة بين القول والفعل، ثم أخيرا. ليس آخرا إصلاح صناديق التأمينات، لأسأله في موضوع مقاربة إشكال التقاعد ببلادنا، بالذات.

أردت أن أطرح عليكم سؤالا، ليس ابدا كأستاذ فقيه في مساءل الشرع وغيره، والتي لا افقه فيها كثيرا، وإنما كباحث أكاديمي ملتزم في ألوان وانواع وانماط إقتصاد التنمية، وخاصة في ما يتعلق بها ببلدان الهامش، والذي أنتم تتشرفون اليوم بجدارة بأستاذ-كرسي مستحق في موضوعه البحثي بكلية الحقوق بالرباط بالمغرب، …

كل ذلك لما أسديتم -عن حق- من بحوث وتأطير وتعليم عالي وتكوين مميز فيه، حتى أنكم أصدرتم ونشرتم مؤخرا جل أعمالكم في كتب خاصة بدار النشر “نقد إقتصادي” المختصة والرفيعة في هذا المجال، أصبحت الآن في متناول ليس الطلاب والباحثين وحدهم فقط، وإنما كل المهتمين بالشأن الإقتصادي في بلادنا وفي الخارج والعالم، كأن أذكر ب”ضبط العلاقة الأجرية في المغرب” في طبعة ثانية جيدة لسنة 2024، وهي أطروحتكم- الاساس في السوسيو-إقتصاد- الضبطي.

بل وقبل ذلك إصداركم لمؤلف “المغربة وتنمية البورجوازية” ببلادنا، سنة 2023/ الطبعة الثانية، وكل مجموع تدويناتكم الإقتصادية المهمة المنشورة سنة 2025، وآخرها نشر بعض نصوص تجربتكم الملهمة في تدريس الإقتصاد والتدبير بكلية الحقوق بالرباط، وخاصة درسيكم الراءدين وتجربتكم في تدريس مجزوءتي تدبير الموارد البشرية، وكذا إقتصاد المنظمات، وهو ما خبرتم في شانه لما يزيد الآن عن خمسة عشرة سنة، إلى حدود 2005، اقصد ما نشرتهم هذه السنة، سنة 2026،…

كلها متون لمداخل مهمة تعني ب”المشاكل الإقتصادية والاجتماعية الهيكلية والإبستيمية والتدبيرية للإقتصادات الطرفية”، ومنها إقتصاد ومجتمع بلادنا، على حد قول الأساتذة عزيز بلال وسمير أمين، وغيرهما، فضلا عن مقالاتكم المحكمة في مجلة “نقد إقتصادي” المغربية الجميلة والقيمة، وغيرها ..

أريد مساءلتكم -لو تتفضلون- عن مدى ومتى وكيف ولماذا صواب الخروج الجريء والمسؤول والممكن على سياسات الحاكم، ما دامت السياسة تعرف بفعل الممكن، كما تصرفها السياسات العمومية ببلادنا، اليوم، وعن جدارة الالتفاف الإيجابي على مفهوم العدالة عموما، والإجتماعية منها، على وجه الخصوص، بما في ذلك إحقاق مطالب جيل Z الاخيرة، بل وقبلها مطالب كل الحركات الإجتماعية ببلادنا، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، كحراكات سيدي إفني والريف وجرادة، والقطاعية منها، ايضا، بل وقبل ذلك كله تحقيق إنتظارات كل ثورات الربيع العربي، ومنها حركة 20 فبراير 2011، جاعلة شعارات الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية في قلب المطالب، ومن تمة في قلب إشكالية الحكم والملك، حتى في بلادنا، بالذات…

اما سؤالي الثاني فأتوجه به إلى الخبير في السياسات الإجتماعية، فضيلة الأستاذ سعد الطاوجني، وكلنا يعلم، ولعله يعلم معنا، ايضا، أن مشاكل ومفارقات ومعضلات التنمية الإقتصادية والاجتماعية في بلدنا هي من العواصة والتعقيد والجدية بمكان، حتى انه لايمكن -أبدا- أن تترك -هكذا- لتحاليل تقنوية محضة، لخطورة ما تستتبعه من توصيات الخبراء والتقنوقراط والحكومات، …

إنهم عادة ممن قد لا تكون لهم ولإختياراتهم “كبدة” على الوطن والشعب ( أنظر بورديو في كتابه عن الدولة، الذي أصدره سنة 2012 عن دار النشر سوي ، وهو دروسه بكوليج دو فرانس لسنوات 1989 الى 1992، المكملة لكتاباه “نبل/ نبلاء الدولة”، أشباه “خدام وأشباح الدولة” عندنا و “من والاهم ولا تراهم العين الغير مجردة”.

نفس مستوى التحليل يبديه بورديو في كتابه الآخر، الثاني، “السيطرة الذكورية”، التي تنال من عدالة وإنصاف ما يزيد عن نصف المجتمع، حيث يفكك بالمزيد أصل الدولة، ك”ماوراءية المجال”، تحتكر العنف الرمزي وتنتج مقولات للتفكير والرأسمال البيروقراطي و تؤسس لعقيدة الدولة، انظر تعليق/ تدوينة سريعة للعوفي نور الدين، مؤخرا، على الفايس على ملصق نشاط اليوم في هذه الإحالة، حول اليد اليمنى واليد اليسرى للدولة….

من الممكن أيضا أن ننظر إلى خطابات السياسيين، الشعبويين خاصة منهم، وكذا القياديين النقابيين على منصات فاتح ماي…!!!.)، أكانوا من عيار وأدلوجة خبراء البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، او غيرهما، من منظمات العولمة والكوكبية الراسمالية العالمية، اليوم.

لقد إنبرى الباحثون في العلوم الإقتصادية والإجتماعية والقانونية في بلادنا مؤخرا إلى الإهتمام بإقتصاد وتدبير الصحة، وإلى إنشاء ماسترات علمية في شؤون الصحة، وذلك في زمن أصبحت السياسات العمومية فيه ببلادنا تتحسس مواضيع الحماية الإجتماعية الشاملة، وغيرها، بل وتجعلها في مركز إهتمامات ما أصطلح عليه ب”الدولة الإجتماعية”، دولة الرفاه للجميع، بعد أن تم تسجيل الخصاص الإنساني” الهاءل والمهول الذي تسبب فيه ، بلا أدنى شك، إعتماد العقيدة doxa الليبرالية الإقتصادية ببلادنا، والتي تجعل من كل ما هو “إجتماعي” رديف ثانوي ولاحق للنمو، وكذا من النفقات العمومية “كلفة” لا غير، يجب الحد منها ما أمكن، حتى يتم إستخراج موارد مالية ضرورية للإستثمار.

يبدو أن الدولة إستمرت اليوم في نفس الإختيارات، ولربما بسرعة فاءقة، قيل أنها “سرعتين فارقتين”، لكم واحدة إلى الأعلى والأخرى إلى الأسفل، وذلك على الرغم من إفلاسها الظاهر، ومن كل الآثار المدمرة لها على مستوى التماسك الإجتماعي للبلاد، بل وحتى على الفعالية الإقتصادية، بالذات، وبالرغم من أن تقرير الخمسينية سبق وأكد حدود ذلك الإختيار، حتى أن حزبا للدولة، البام، إعتمده برنامجا حزبيا له، دون عناء التفكير الأيديولوجي، حينها، بالتمام والكمال!!

ولعل ما يستدعي فهم أحسن لرهانات إصلاح نظام التقاعد، اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، ببلادنا، هو الإحاطة اللازمة بضرورة إصلاح عميق لأنظمة التقاعد، دون المساس قطعا بأساسها، وهو نظام التوزيع الإجتماعي العادل والمنصف ( أنظر اطروحة إدريس عراقي، أنظمة التقاعد تجاه التنمية الإقتصادية، أي آفاق للمغرب؟ 2004)، فما رأيكم الأستاذ الفاضل في هذه الإشكالية التي تربط نظام التقاعد بالحمية المتبعة في توزيع الخيرات والثروة؟

. توطأة فكرية-سياسية في عدالة السياسات الإجتماعية.

لقد إرتأيت، إذا سمحتم لي بذلك، ان أتوسل بتوطاة فكرية في الأول، سبق وان أشار الاستاذ العوفي إلى بعض عناوينها في تدوينته الخاصة والمميزة، حول “الإقتصاد السياسي الأسلامي”، المرتبطة بتنمية الراسمالية في العالم الإسلامي، وذلك ضمن كتابه الجديد تحت العنوان الجميل والمثير: “الإقتصاد، رياضة كفاح”( 2025).

. في ما “جودة المؤسسات” عند نورث دوكلاس تؤكد حدوس إبن خلدون وإنحسار سؤالي التنمية والتنوير في العالم العربي الإسلامي:

ولعلمنا جميعا، فقط، فلعل إبن خلدون من يرى أن ما يسهل التنمية في بلد ما هو جودة المؤسسات، ولا شيء غيرها، حتى أننا اليوم لازلنا نعيد سؤال النهضة التاريخي والبنيوي الأبدي والمكرور حول مدى نجاعة مؤسساتنا في المغرب: لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون، أو جلهم، عدا إيران اليوم رغم الحصار والحرب، وهي من بلدان البريكس الصاعدة، و كذا أندونيسيا، من بلدان النمور، وغيرهما، مثلا، أو لماذا إنهزم المغرب في ربع نهاءي كرة القدم لكأس العالم لسنة 2026 وانتصرت فرنسا، بالرغم من كل إستثمارات بلدنا في البنية التحتية الرياضية، وكل ذلك الشنآن الغير المبرر بين الفريقين و كل التخلف الذي شاب نهاءي مباريات السينغال بكاس إفريقيا للامم مع بلادنا، مثلا، بالرغم من كل ذلك الإستثمار الفارع في القوة الناعمة، لوطننا، إلخ.. !؟

ولعل موضوعة “جودة المؤسسات” هو ما سنجده، لاحقا في ما يؤكده نورث دوكلاس ( 2005) في ما خصصه للعالم الإسلامي، ملاحظا ومحللا سوء وضعف نجاعة حكامة مؤسساته، المرتبطة بمعضلات تطور الرأسمالية في بلدانه، بلدان الطرف العربي الإسلامي.

و سنجد مع ميشال فوكو في مفهوم “الحكومية” gouvernementalité، بما هي فن الحكم وتقنياته، ما حدسه إبن خلدون حين تعرض لأشكال ممارسة السلطة و على النفوس، باالذات، وآليات السيطرة، وهو ما يعني توسيع مجال السياسة لتشمل كل شروط الوجود الإجتماعي، المرتبطة بالتحول الكبير للرأسمالية، كما يرى ذلك بولانيي (1983).

يبدو أن “الإقتصاد السياسي الإسلامي” جعل أكثر من غيره مبدء العدالة في عمق العملية الإجتماعية، إذ سيأخذ مكانة المتغير الإستراتيجي، وبالخصوص في ظروف الأزمة (نشير هنا إلى الأحداث المرتبطة بمجاعة سنة 638)، في تجاوز تام ومفروض للحدود الشرعية، كما راينا مع الخليفة عمر بن الخطاب، حينها.

وهو ما يبدو على عكس ما تعتمدهما الليبرالية والماركسية، تباعا، في إعتمادهما على الحرية والمساواة، في ما تأخذ هذه الأخيرة شكل الإنصاف وفي تطابق تام مع الأمر والنظام الطبيعي في النظام الإسلامي.

وإذا كان “معيار العدالة”، والإجتماعية منها، يعطيى شرعية دينية وسياسية منزلة وفوقية للسلطة، فمن المبرر والطبيعي والعادي أن أي إهمال أو تجاوز له يستدعي بالمقابل والضرورة رفض أي خضوع لسياسات الحاكم المستبد او الفاسد، كما شهدت على ذلك أحداث الفتنة، كما حللها هشام جعيظ، مثلا، في كتابه “الفتنة الكبرى” ،La Grande discorde ، سنة 2008.

وعليه، وفي ما تحاول الندوة إيجاد حصيلة ما، تثمن المنجز في ما وعدت به الدولة لسد بعض “الخصاص الإنساني” للمغاربة، مستنكفة عن إعتبار “الإجتماعي” بقية وثقل على نفقاتها و على الإستثمار الخصوصي، وفي إعتماد دوكسا النيوليبرالية عقيدة لها، دون إلغاء قطعي لمعياري الحرية والسماح بنفس الفرص للجميع، ومن اجل الدفع بجودة المؤسسات ونجاعة التنمية الإقتصادية والإجتماعية، نخاف فقر الحصيلة، وان لا يكون مفهوم “الدولة الإجتماعية” وربيبه في العدالة والعدالة الإجتماعية، عدا مقولات من تلك المفاهيم التي تنتجها وتشرعنها السلطة، عنفا ماديا او رمزيا، في ذلك، معززة في ذلك سطوة التقنوقراط/ الرأسمال البيروقراطي، المتحالف والخدوم للرأسمال المادي المالي الفعلي…

(…. )قد يكون ايضا للإلهاء عموما، دون إنجازات شاملة موسعة فعلية مستدامة ووازنة، أكان في الحماية الإجتماعية الشاملة أو في التقاعد أو الصحة والتعليم والشغل عموما، من جهة.

(…) وأمام تواتر وكثافة صبيب الحركات الإجتماعية والقطاعية ببلدنا في السنوات الأخيرة، آخرها قطاع المحاماة، ومن هجرة بالملايين وتهجير مقصود لساكنات مناطق ومدن، من جهة أخرى.

ألآ يمكن في الختام ان نفهم ونتفهم و نعترف وننخرط ونساند ونمد اليد لخروج شباب Z، اليوم، وهو الذي يختمر الآن وهنا سرا لمجموعات متعددة، و على نار هادئة في مواقع التواصل الإجتماعي، وقبل هذا خروج الناس والشباب على إثر أحداث 20 فبراير 2011، بعد إستخلاص دروس، من هنا ومن هناك، وكذا حراكات المجتمع في هذه المنطقة أو تلك، و المقاطعات الرمزية لبعض المنتوجات الغالية ومظاهرات اليوم المتفرقة، في القرى أيضا، والقطاعية كذلك،…، وذلك لما يستوجبه إحقاق العدالة الإجتماعية والمجالية والمناطقية من واجب شرعي ومشروع يحقق كرامة ورفاه وإنصاف المواطن المغربي؟

ذ. عبدالواحد حمزة، أستاذ باحث، عضو مكتب مركز بنسعيد آيت إيدر  .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى