الحنبلي عزيز -متابعة
منذ بداية موجة العبور الجماعي نحو سبتة، حاول رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الجمع بين ثلاث رسائل متوازية: التشدد في الدفاع عن السيادة الإسبانية، وتسريع إعادة المهاجرين بالتعاون مع المغرب، والرد على الدول التي حمّلت مدريد مسؤولية الأزمة وطالبت بمعاقبتها داخل فضاء شنغن.
في سبتة: «كل إسبانيا تقف مع المدينة»
خلال وصوله إلى سبتة يوم 31 يوليوز 2026، رفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، وصف سانشيز ما وقع بأنه «هجوم وانتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا»، مؤكداً أن سبتة «مدينة إسبانية» وأن حكومته ستستخدم جميع إمكانات الدولة لاستعادة الأمن وحماية السكان وضمان التعايش والعودة السريعة إلى الوضع الطبيعي.
وتفقد سانشيز معبر تاراخال، ثم ترأس اجتماعاً أمنياً بحضور رئيس حكومة سبتة ومسؤولي الشرطة والحرس المدني ومركز إيواء المهاجرين والصليب الأحمر. كما أعلن تعزيز أعداد قوات الأمن، والاستعانة بالقوات المسلحة، ونشر حواجز وعوامات بحرية، وتسريع إجراءات دراسة الملفات والإعادة.
وفي تفسيره لأسباب التدفق، تبنى سانشيز رواية مفادها أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت تأويلاً لحكم قضائي إسباني يتعلق بإعادة الأشخاص الذين يصلون سباحة، وروجت معلومات مضللة دفعت أعداداً كبيرة من الشباب إلى الاعتقاد بأن وصولهم إلى سبتة سيمنع إعادتهم. كما أدان هذه الشبكات بسبب تعريضها حياة الشباب للخطر.
المغرب: تعاون أمني رغم لغة «انتهاك الحدود»
رغم استعماله خطاباً شديداً بشأن السيادة الإسبانية، لم يوجه سانشيز اتهاماً مباشراً إلى السلطات المغربية بالوقوف وراء التدفقات. بل شكر المغرب على تعاونه واستعداده لتسريع إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بطريقة غير نظامية، مؤكداً استمرار التنسيق الثنائي في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر وضبط الحدود.
وبذلك اختار رئيس الحكومة الإسبانية الفصل بين توصيف الحدث باعتباره اختراقاً للحدود وبين علاقته السياسية مع الرباط، متجنباً تكرار المواجهة الدبلوماسية التي طبعت أزمة ماي 2021. وقد مكن التعاون المغربي الإسباني، بحسب السلطات الإسبانية، من عودة غالبية الوافدين خلال فترة وجيزة ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية أو بقية دول الاتحاد الأوروبي.
رد بالأرقام على ميلوني والحكومة الإيطالية
التحول الأبرز في خطاب سانشيز جاء بعد تلويح حكومة جورجيا ميلوني بتعليق ترتيبات شنغن مع إسبانيا وتشديد المراقبة على القادمين منها. ورد سانشيز على الحكومة الإيطالية، من دون أن يسمي ميلوني أو وزير خارجيتها أنطونيو تاجاني مباشرة، قائلاً:
«التضامن والتعاطف أمران اختياريان، لكن احترام المعاهدات الأوروبية والبيانات ليس كذلك».
ونشر أرقاماً نسبها إلى وكالة «فرونتكس» بشأن عمليات العبور غير النظامية المسجلة بين 2021 و2026: نحو 478 ألفاً و600 عبر إيطاليا، و340 ألفاً و600 عبر طريق غرب البلقان، و259 ألفاً و800 عبر اليونان، مقابل 234 ألفاً و760 عبر إسبانيا و48 ألفاً عبر الحدود الشرقية للاتحاد. واختتم رسالته بالتأكيد أن الوقت ليس للانقسام، بل لبناء اتحاد أوروبي قوي وموحد.
ويعني رد سانشيز أن إيطاليا واجهت خلال السنوات الأخيرة ضغطاً أكبر من إسبانيا، لكنه لم يطالب بتعليق عضوية روما في شنغن. والقول إن «إيطاليا هي التي كان ينبغي إقصاؤها» يمثل استنتاجاً سياسياً لدى مؤيدي سانشيز، وليس تصريحاً صادراً عنه.
كما ينبغي التعامل بحذر مع هذه الأرقام، لأن «فرونتكس» توضح أنها تحصي عمليات رصد العبور غير النظامي، وليس بالضرورة عدد الأشخاص المختلفين؛ فقد يُسجل الشخص نفسه أكثر من مرة إذا حاول العبور في مواقع أو أوقات مختلفة.
فنلندا والدنمارك… وماذا عن السويد؟
بعد الموقف الإيطالي، اتهمت وزيرة الداخلية الفنلندية إسبانيا بالفشل في حماية الحدود الخارجية للاتحاد، فيما دعت رئيسة وزراء الدنمارك إلى دراسة جميع الخيارات، بما فيها تعليق التعاون مع مدريد داخل إطار شنغن. ورد سانشيز لاحقاً برسالة إلى قادة المؤسسات الأوروبية، وصف فيها مواقف بعض الحكومات بأنها «أنانية واستقطابية وخارجة عن القانون»، وطالب باجتماع عاجل لوزراء داخلية الاتحاد.
أما السويد، فلا يتوافر ما يثبت أنها طالبت منفردة بإقصاء إسبانيا من شنغن. الثابت أنها كانت ضمن مجموعة دول دعت إلى اجتماع أوروبي عاجل لتقييم الوضع وتعزيز التنسيق وحماية الحدود الخارجية. لذلك يبدو أن بعض المنشورات خلطت بين موقف السويد وتصريحات فنلندا الأكثر تشدداً.
انتقادات أمريكية وإسرائيلية
من الولايات المتحدة، وصف الرئيس دونالد ترامب ما حدث بأنه «كارثة» وشبّهه بـ«غزو»، محملاً ما سماه ضعف القوانين وسوء الإدارة في إسبانيا المسؤولية. كما ربط مسؤولون أمريكيون الأزمة ببرنامج تسوية أوضاع المهاجرين، لكن هذا الربط لم يثبت؛ فالبرنامج يخص أشخاصاً وصلوا قبل فاتح يناير 2026 وأقاموا في إسبانيا مدة محددة، ولا يمنح الوافدين الجدد إلى سبتة حقاً تلقائياً في الإقامة. ولم يُسجل رد شخصي مباشر من سانشيز على ترامب بشأن سبتة، إذ ركزت رسائله على الأرقام الأوروبية والتعاون الحدودي.
أما على الجبهة الإسرائيلية، فاستغل مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون الأزمة لاتهام إسبانيا بازدواجية المعايير، مطالباً مدريد بتفسير استمرار احتفاظها بما وصفه بـ«جيوب استعمارية في إفريقيا». ولم يصدر رد مباشر من سانشيز على دانون، بينما دخل وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي على خط السجال. كما لا توجد أدلة تدعم النظريات المتداولة حول ضلوع إسرائيل أو الولايات المتحدة في تنظيم موجة العبور.
أزمة حدود تحولت إلى اختبار سياسي أوروبي
تُظهر مواقف سانشيز أنه اختار في الداخل خطاب الأمن والسيادة، وفي العلاقة مع المغرب نهج التعاون والاحتواء، وفي مواجهة روما وبعض العواصم الأوروبية سلاح القانون والأرقام. وهو يريد تقديم إسبانيا بوصفها دولة استعادت السيطرة بسرعة، ولم تسمح بانتقال الوافدين إلى باقي أوروبا، في مقابل حكومات يعتبر أنها استغلت الأزمة لأغراض سياسية داخلية.
لكن أحداث سبتة تجاوزت تدبير الحدود لتتحول إلى اختبار للعلاقات المغربية الإسبانية ولتماسك الاتحاد الأوروبي ولمصداقية سياسات الهجرة. وبين خطاب «الهجوم على السيادة» والدعوة إلى التضامن الأوروبي، يسعى سانشيز إلى تجنب مواجهة مع الرباط، وإفشال محاولات تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية أزمة ذات أبعاد مغاربية وأوروبية وإنسانية متداخلة.