الحنبلي عزيز
جاء بلاغ وزارة الداخلية في سياق اتسم بانتشار روايات متضاربة وأرقام متفاوتة وصور صادمة من الحدود، فسعى إلى استعادة المبادرة الإعلامية وتثبيت رواية رسمية للأحداث التي بدأت يوم 29 يوليوز. وقد وضع البلاغ التضليل الرقمي، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لبعض القرارات القضائية الإسبانية، في مقدمة العوامل التي دفعت آلاف الأشخاص إلى محاولة العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية.
ومن خلال اللغة المعتمدة، حرصت الوزارة على تقديم الدولة باعتبارها طرفًا كان متيقظًا منذ البداية، وقادرًا على التحكم في الوضع، وملتزمًا بالقانون. لذلك تكررت في التصريح عبارات من قبيل «الرصد المبكر»، و«المقاربة الاستباقية»، و«الجاهزية»، و«حماية النظام العام»، و«احترام مبدأ التناسب في التدخل». وهي عبارات تهدف إلى تأكيد فعالية الأجهزة العمومية وإبراز أن تدبير الأزمة جرى وفق ضوابط قانونية وأمنية واضحة.
غير أن هذا البناء الخطابي يثير تناقضًا يصعب تجاهله. فإذا كانت المؤشرات قد رُصدت مبكرًا، وإذا كانت السلطات قد رفعت مستوى اليقظة والتعبئة، فكيف تمكن عشرات الآلاف من التحرك في وقت متقارب نحو الحدود؟ وكيف تحولت منشورات رقمية وتأويلات قانونية، خلال فترة وجيزة، إلى موجة عبور جماعي بهذا الحجم؟ إن الحديث عن الاستباق والجاهزية لا يعفي من تفسير الثغرات التي سمحت بتجمع هذه الأعداد ووصولها إلى المناطق الحدودية.
كما قدم البلاغ أرقامه باعتبارها المرجع الرسمي في مواجهة الحصائل المتداولة إعلاميًا، غير أن استعمال عبارة «توجهوا في اتجاه سبتة» ظل غامضًا، لأنه لا يحدد بدقة عدد الذين وصلوا إلى الحدود، أو تمكنوا من العبور، أو جرى اعتراضهم، أو أعيدوا إلى مناطقهم، أو لا يزال مصيرهم مجهولًا. وكان من شأن نشر جدول تفصيلي للأعداد والوفيات والجرحى والمفقودين أن يعزز وضوح الرواية الرسمية ومصداقيتها.
وتتمثل إحدى نقاط ضعف البلاغ أيضًا في تأخر صدوره. فقد بدأت التحركات الجماعية يوم 29 يوليوز، بينما لم يصدر التوضيح الرسمي المفصل إلا بعد اتساع الأزمة وسقوط الضحايا وانتشار الصور والتقديرات المتضاربة في وسائل الإعلام الوطنية والدولية. وفي مثل هذه الأزمات، لا يشكل الصمت الرسمي مجرد فراغ تواصلي، بل يفتح المجال أمام الشائعات والتأويلات التي عاد البلاغ نفسه ليحمّلها جزءًا أساسيًا من المسؤولية.
ومع أن التضليل الرقمي وشبكات التهريب وسوء فهم القوانين الإسبانية عوامل لا يمكن إغفالها، فإن تقديمها باعتبارها التفسير الرئيسي لما وقع يظل ناقصًا. فالمعلومة المضللة لا تدفع عشرات الآلاف إلى تعريض حياتهم للخطر إلا عندما تجد بيئة اجتماعية ونفسية مستعدة لتصديقها والتفاعل معها. وهنا يتجنب البلاغ الخوض في الأسباب الأكثر عمقًا، مثل البطالة، والهشاشة الاجتماعية، وانسداد الأفق، وفقدان الثقة في المستقبل، وهي عوامل قد تفسر لماذا رأى عدد كبير من الشباب والقاصرين والعائلات في العبور الخطير نحو سبتة فرصة تستحق المجازفة.
وبدل طرح السؤال الجوهري: لماذا أراد كل هؤلاء المغادرة؟ ركز الخطاب الرسمي أساسًا على سؤال آخر: من ضللهم ودفعهم إلى التحرك؟ والفرق بين السؤالين جوهري؛ لأن السؤال الأول يفتح باب مساءلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين، بينما يحصر السؤال الثاني المسؤولية في شبكات الاتجار بالبشر ومنشورات رقمية وتأويلات لقرارات صادرة عن القضاء الإسباني.
كما ظل البعد الإنساني محدود الحضور في البلاغ، إذ لم تُقدم حصيلة شاملة للجرحى والمفقودين والقاصرين والموقوفين، ولم تُوضح طبيعة الإجراءات الصحية والنفسية والاجتماعية المخصصة للناجين ولأسر الضحايا. واقتصر الحديث أساسًا على أعداد الوفيات، من دون تقديم تفاصيل كافية بشأن ظروفها أو الإعلان عن آلية مستقلة وشفافة للتحقيق في الملابسات التي أحاطت بها.
أما إعلان فتح أبحاث قضائية، فرغم أهميته، فإنه يبقى عامًا ما لم يشمل جميع مستويات المسؤولية، بدءًا من شبكات التحريض والاتجار بالبشر، مرورًا بالثغرات الأمنية المحتملة وكيفية تدبير الحشود، وصولًا إلى ظروف التدخلات والوقائع التي أدت إلى سقوط الضحايا. فالتحقيق الجدي لا ينبغي أن يبحث فقط عمّن دعا إلى العبور، بل أيضًا في أسباب فشل الوقاية وطريقة إدارة الأزمة ميدانيًا.
إن ما وقع على حدود سبتة لا يمكن اختزاله في موجة هجرة غير نظامية أو حملة تضليل عبر شبكات التواصل الاجتماعي. إنه إنذار اجتماعي وسياسي وإنساني كشف حجم الإحباط المتراكم لدى فئات واسعة، وأظهر أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت درجة جاهزيتها، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة تتجاوز الحدود لتصل إلى عمق الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
لقد قدمت وزارة الداخلية روايتها الرسمية، لكنها لم تقدم جميع الأجوبة. وبين لغة الأرقام وصور المأساة، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا قائمًا: ما الذي يدفع آلاف المواطنين إلى اعتبار الهروب الجماعي، رغم مخاطر الغرق والموت، خيارًا أفضل من البقاء؟
زر الذهاب إلى الأعلى