الحنبلي عزيز -متابعة
دخلت المفاوضات المتعلقة بالمرحلة المقبلة في قطاع غزة منعطفاً جديداً، الأحد 9 غشت 2026، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه وثيقة من 15 نقطة تقدم بها «مجلس السلام» المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من مواقعه قبل نزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة.
ويكشف الموقف الإسرائيلي عن استمرار الخلاف بشأن ترتيب الخطوات على الأرض أكثر من الخلاف حول الهدف المعلن المتمثل في نزع سلاح الفصائل الفلسطينية. فبينما يشترط نتنياهو إتمام عملية نزع السلاح قبل أي انسحاب عسكري إسرائيلي، تقوم خارطة الطريق التي يجري بحثها على تنفيذ العملية بصورة تدريجية ومترابطة، تجمع بين تفكيك القدرات العسكرية وانسحابات إسرائيلية متدرجة من المناطق التي يتم التأكد من خلوها من الأسلحة والأنفاق.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل لا تقبل الصيغة الحالية للوثيقة ذات النقاط الـ15، مشدداً على أن المقصود بنزع سلاح حماس هو التخلص من مختلف أنواع الأسلحة، الثقيلة والخفيفة، وليس الاكتفاء بما وصفه بنزع سلاح شكلي. وأشار في الوقت نفسه إلى استمرار المحادثات مع الجانب الأمريكي بشأن الخطة، معتبراً أن بعض الأفكار المطروحة تحظى بقبول إسرائيل بينما ترفض أفكاراً أخرى.
وكان نتنياهو قد أعلن قبل أيام أن إسرائيل لن تتراجع عن خطوط انتشارها الحالية في قطاع غزة قبل استكمال نزع سلاح حماس، في موقف أثار شكوكاً بشأن إمكانية المضي سريعاً في تنفيذ الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه، خصوصاً أن الصيغة المطروحة تقضي ببدء حماس عملية نزع السلاح بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والشروع في انسحابات تدريجية.
ملادينوف: التنفيذ مرتبط بخطوات عملية
في المقابل، حاول الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، توضيح آلية تنفيذ خارطة الطريق، مؤكداً أن مسألة الانسحاب الإسرائيلي مرتبطة بتحقق خطوات عملية على الأرض، وفي مقدمتها تفكيك سلاح الفصائل والتأكد من خلو المناطق المعنية من الأسلحة والأنفاق.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن القناة 12 الإسرائيلية، أوضح ملادينوف أن إسرائيل لم توقع حتى الآن على خطة النقاط الـ15، وأن الانسحاب لن يكون شاملاً أو فورياً، بل سيتم بصورة تدريجية من المناطق التي يثبت خلوها من الأسلحة والأنفاق، في حين ستبقى القوات الإسرائيلية في المناطق التي لم تستكمل فيها هذه العملية.
وبهذا المعنى، فإن موقف ملادينوف لا يقوم على مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل مسبقاً، بل على ربط كل خطوة إسرائيلية بتقدم ملموس في ملف نزع السلاح. وكان «مجلس السلام» قد أكد عقب لقاء ملادينوف بنتنياهو أن الهدف النهائي للخطة يتمثل في التفكيك الكامل للسلاح في القطاع والانتقال من حكم الفصائل المسلحة إلى إدارة مدنية.
وتظهر هذه المقاربة أن جوهر الخلاف الحالي يتعلق أساساً بآلية التنفيذ وتوقيته؛ فنتنياهو يريد أن يسبق نزع السلاح أي انسحاب للجيش الإسرائيلي، بينما تسمح الخطة المطروحة بانسحابات مرحلية من المناطق التي يتم التحقق من نزع السلاح منها، من دون انتظار انتهاء العملية في كامل قطاع غزة.
شد وجذب حول «من يبدأ أولاً»
ويعيد هذا الخلاف إلى الواجهة إحدى أعقد القضايا التي تعيق الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق غزة: من يقدم الخطوة الأولى؟ فإسرائيل تصر على أن التخلي عن السلاح يجب أن يسبق الانسحاب، بينما تتمسك حركة حماس والفصائل الفلسطينية بتنفيذ الالتزامات بصورة متبادلة، بما يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية والبدء في الانسحاب بالتوازي مع معالجة ملف السلاح. وكانت حماس قد أعلنت، وفق وكالة أسوشيتد برس، التزامها بما تم الاتفاق عليه بشأن تنفيذ المرحلة الثانية، في انتظار رد رسمي من الوسطاء وملادينوف.
وكان الاتفاق المدعوم أمريكياً قد وضع تصوراً يقوم على نزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونشر قوة دولية للاستقرار، إلى جانب انتقال إدارة القطاع إلى هيئة فلسطينية مستقلة تتولى ملفات الحكم وإعادة الإعمار. إلا أن الخلاف بشأن التسلسل الزمني لهذه الخطوات ما زال يحول دون انتقالها من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الكامل على الأرض.
اختبار جديد لخطة ترامب
ويمثل الرفض العلني الذي أعلنه نتنياهو تحدياً جديداً للجهود التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل تثبيت تسوية أكثر استدامة في غزة. فالخطة ذات النقاط الـ15 طرحت نزع سلاح حماس مقابل انسحاب عسكري إسرائيلي كامل في نهاية المسار، مع تنفيذ الترتيبات على مراحل، بينما يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي حسم ملف السلاح قبل الانتقال إلى مرحلة الانسحاب.
وبين رفض نتنياهو للصيغة الحالية، وتمسك ملادينوف بخارطة طريق تقوم على إجراءات متدرجة وميدانية، تبدو الأزمة مركزة الآن في كيفية الربط بين نزع السلاح والانسحاب، وليس فقط في مبدأ نزع السلاح نفسه.
وستحدد قدرة الوسطاء والولايات المتحدة على التوصل إلى صيغة مقبولة لترتيب هذه الخطوات ما إذا كانت خطة النقاط الـ15 ستتحول إلى آلية قابلة للتطبيق، أم ستنضم إلى سلسلة المبادرات التي اصطدمت بخلافات الأطراف حول شروط التنفيذ وضماناته.