وجهة نظر

تساؤلات مشروعة حول مأساة سبتة..د. محمد أكديد

   وأخيرا استفاقت وزارة العدل بعد صمت مريب، ليطالب السيد وهبي بإعادة آلاف الأطفال والقاصرين الذين عبروا إلى مدينة سبتة المحتلة رغبة في حياة أفضل، أو بالأحرى هربا من وطن لم يجدوا فيه مكانا لانتظاراتهم وطموحاتهم الصغيرة. وذلك بعد أن وزعت السلطات الإسبانية أغلبهم على الملاجئ ودور الرعاية والمدارس بعد أن اجتاحوا الشوارع والساحات، يبيتون في العراء متلحفين السماء خلال الأيام الماضية، في مشهد كفيل بإعادة النظر في كل البرامج والشعارات والوعود التي كانت ترفعها الدولة والمسؤولون المغاربة لسنوات حول النهوض بالقطاعات الاجتماعية ومشاريع التنمية الموؤودة.
وبعيدا عن تراشق الاتهامات بين جمهور الرباط وجمهور مدريد عمن يقف وراء هذه المأساة، وعن أسطوانة شبكات الهجرة السرية ودور وسائط التواصل الاجتماعي في مضاعفة عدد المرشحين لاجتياح المدينة المحتلة برا وبحرا، في أكبر عبور بعد المسيرة الخضراء عرفه المغرب داخل حدوده الطبيعية، فإن طريقة تدبير الدولة لهذا الملف كان في الواقع دون المستوى المطلوب إن لم يكن مشينا. بدءا من الصمت الكبير الذي رافق هذه الأحداث منذ بدايتها لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يطل علينا موظف في وزارة الداخلية ليقدم تصريحا متواضعا لم يقنع الشارع المغربي الذي كان يتابع تطور الأحداث على القنوات الخارجية خصوصا من الإعلام الإسباني فضلا عن وسائط التواصل الاجتماعي. وذلك في الوقت الذي خرج فيه المسؤولون الإسبان بمختلف مستوياتهم من وزير الداخلية إلى وزير الخارجية إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وصولا إلى الملك، ومنذ اليوم الأول، بتصريحات متتالية لإطلاع الرأي العام الإسباني عما يجري، مع إصدار الأوامر للتحرك العاجل من أجل التقليل من تداعيات وخطورة هذا المستجد الذي ألقى بظله على مشكل الهجرة الذي لازال يقض مضاجع المسؤولين داخل دول الإتحاد الأوروبي، عروجا على عدد الضحايا الذي تجاوز 80 جثماناً منتشلاً من قاع البحر، مع تقارير أشارت لاحقاً إلى أكثر من 100 حالات وفاة فضلا عن المفقودين، حيث خلا بيان وزارة الداخلية المغربية التي قدمت رقما عجيبا (11)، في غياب أي تنسيق مع الدولة التي من المفترض أن تنظم معها كأس العالم، من أي تعزية لأسر الضحايا أو تضامن مع أسر المفقودين. وفي الوقت الذي كان يجب أن يعلن حداد لمدة ثلاثة أيام على الأقل كما فعلت الجارة الشرقية -الجزائر- مع تنكيس الأعلام، بعد حادثة السير المميتة التي أسفرت عن مقتل 27 شخصاً وإصابة العشرات يوم الجمعة 31 يوليو 2026، يتحرك الأمن -الذي شوه بعض أفراده صورة المغرب عبر العالم بتصرفات غير مسؤولة- والمساطر القضائية لإيقاف عدد من المرشحين للهجرة غير النظامية والمواطنين الذين أدلوا بتصريحات عشوائية تعكس مستوى الحيرة والإحباط الذي وصل إليه المغاربة في وطنهم، إلى حد إيقاف عدد من سائقي سيارات الأجرة الذين قاموا بنقل مغاربة داخل أرض مغربية، دون استفسارهم عن وجهاتهم التالية -وهو في الواقع أمر لا يعنيهم وليس من حقهم قانونا- وفي غياب أي بيان رسمي بمنع الإقتراب من حدود المدينة المحتلة؟؟
وأخيرا، وليس آخرا، تأتي فضيحة الأطفال والقاصرين الذين يوجد من بينهم عدد لا يستهان به من الطفلات والقاصرات، حيث أشارت عدد من التقارير الحقوقية والمنابر الإعلامية تعرض بعضهن للاغتصاب، لتزيد الطين بلة. خاصة بعد أن صرح المسؤولون الإسبان عن عددهم، الذي وصل أو تجاوز 7000، ليدعو رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى توزيعهم على الملاجئ ودور الرعاية بالتنسيق بين المدن الإسبانية بعد أن عجزت سبتة عن إيواء الجميع، وبالرغم من عودة الآلاف ممن نجحوا في العبور إلى المغرب بعد تنسيق عاجل مع الرباط، وبعد أن قامت السلطات الإسبانية بمحاصرة وإغلاق المدينة المحتلة. حيث لم يجد المتوافدون إليها إلا بعض سكانها الطيبين الذين تقاسموا معهم الفراش والأكل رغم الإشاعات التي تناسلت في بداية الأحداث تتهم ساكنة سبتة بالعنصرية وبالتضييق على المغاربة الذين اقتحموا مدينتهم عنوة.
ودون الخوض في الأسباب -الجلية في واقع الأمر- التي دفعت حوالي سبعين ألف مغربي للمخاطرة بحياتهم ورمي أنفسهم في البحر من أجل العبور إلى الضفة الأخرى، التي لا يعرف عنها أغلبهم الكثير، فإن هناك عدة علامات استفهام لازالت تحيط بطريقة معالجة هذا الملف المحرج. حيث تصدر المشهد في الجانب المغربي الهاجس الأمني كالعادة، ترافقه إعلاميا زمرة من “الحياحة” الذين تورط بعضهم في مغالطات سرعان ما انكشفت بعد خروج معطيات جديدة. وهو ما بات يلقي بظلاله على قدرة المملكة على إنجاح رهان استضافة حدث كبير مثل كأس العالم، خصوصا فيما يتعلق بالتنسيق مع شريكته في هذه المهمة؛ إسبانيا، التي تبقى رغم كل ما حدث، ورغم الخلافات الطارئة أو المتوارثة معها، شريكا استراتيجيا يصعب تجاهله أو معاداته سيرا وراء أجندات مشبوهة تعشق الصيد في الماء العكر.

د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى