توفي موريس بيتان بعد مسار طويل امتد لما يقارب قرناً من الزمن، ظل خلاله مرتبطاً بقضايا العدالة والحرية وحقوق الشعوب، ومدافعاً عن المبادئ الديمقراطية وعن ضحايا القمع السياسي، في المغرب وخارجه.
وُلد موريس بيتان بمدينة مكناس سنة 1928، وعاش جزءاً مهماً من شبابه ومساره المهني في المغرب، حيث واكب عن قرب التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال مرحلة الحماية الفرنسية وسنوات الاستقلال الأولى، قبل أن يغادر المغرب في منتصف ستينيات القرن الماضي.
وخلال فترة الكفاح ضد الاستعمار، ارتبط بيتان بالحركة الوطنية المغربية، ووضع خبرته القانونية في خدمة عدد من المقاومين والمناضلين، مدافعاً عن حق المغاربة في الاستقلال والحرية. وبعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، واصل انخراطه إلى جانب تيارات تقدمية كانت تطالب ببناء دولة حديثة وديمقراطية، قائمة على مؤسسات مستقلة واحترام الحقوق والحريات.
وشكلت قضية اختطاف واغتيال الزعيم المغربي المهدي بن بركة واحدة من أبرز القضايا التي طبعت مساره، إذ تحول الدفاع عن كشف حقيقة ما جرى إلى التزام شخصي وسياسي وإنساني لازمه لعقود طويلة.
وبحسب النص الذي يستعيد مسيرته، لم يكن اهتمام بيتان بقضية بن بركة نابعاً فقط من علاقة وجدانية أو شخصية، بل من قناعته بأن المشروع الذي كان يحمله الزعيم اليساري المغربي تجاوز حدود المغرب، وارتبط بالدفاع عن الديمقراطية ومناهضة الاستبداد ودعم حركات التحرر في العالم العربي وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وكان بيتان يرى في اغتيال بن بركة ضربة لمشروع سياسي كان يسعى إلى استكمال مسار التحرر الوطني ببناء دولة ديمقراطية، كما اعتبر أن النضال ضد الحكم الفردي والدفاع عن المؤسسات المستقلة يشكلان امتداداً طبيعياً للكفاح الذي خاضه المغاربة ضد الاستعمار.
وظل اسم موريس بيتان مرتبطاً، على امتداد عقود، بملف المهدي بن بركة وبالمطالبة بكشف الحقيقة كاملة حول ظروف اختفائه، رافضاً أن يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لإغلاق واحد من أكثر الملفات السياسية حساسية في تاريخ المغرب المعاصر.
وبرحيله، يغيب رجل حمل معه جزءاً من ذاكرة مرحلة سياسية استثنائية، من زمن المقاومة والاستقلال إلى سنوات الصراع حول الديمقراطية والحريات، وظل وفياً، وفق المسار المنسوب إليه، لقناعة أساسية مفادها أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته يظل التزاماً يتجاوز الحدود والأجيال.