متابعة سعيد حمان
في الآونة الأخيرة، برزت بشكل لافت ظاهرة الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أصبحت بعض الصفحات غير المعروفة المصدر حاضرة في النقاشات المرتبطة بالشأن العام، وسط تساؤلات حول الجهات التي تقف وراءها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
وتثير هذه الحسابات، التي غالباً ما تشتغل بأسماء مستعارة وصور غير حقيقية، جدلاً متزايداً بسبب اعتماد بعضها على نشر تدوينات وتعليقات تستهدف أشخاصاً أو فاعلين سياسيين، مع محاولة توجيه النقاش العمومي نحو مواقف محددة.
وفي خضم الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تزداد المخاوف من إمكانية توظيف بعض الحسابات الوهمية في تصفية الحسابات السياسية أو صناعة صورة افتراضية حول شعبية هذا الطرف أو ذاك، خصوصاً عندما تتحول التعليقات والمنشورات إلى حملات منظمة ومتكررة.
غير أن الحديث عن وجود جهات سياسية تقف وراء هذه الحسابات يظل بحاجة إلى أدلة ومعطيات موثوقة، إذ لا يمكن تحميل أي حزب أو فاعل سياسي مسؤولية محتوى منشور من حساب مجهول دون وجود قرائن أو تحقيقات تثبت ذلك.المشكل لا يرتبط فقط بالهوية المجهولة لأصحاب هذه الحسابات، وإنما أيضاً بمضمون ما تنشره. فبعض المحتويات قد تتجاوز حدود الاختلاف السياسي والنقد المشروع إلى التشهير ونشر الأخبار غير الموثقة، وهو ما يمكن أن يؤثر في النقاش العمومي ويخلق صورة مغلوطة عن مواقف المواطنين.ويرى متابعون أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة السياسية، ولم يعد الحضور الانتخابي مقتصراً على اللقاءات الميدانية، بل انتقل بشكل واسع إلى العالم الرقمي. وهو ما يجعل المنافسة على الفضاء الإلكتروني أكثر حدة، خصوصاً مع ارتفاع تأثير المنشورات والتعليقات في تشكيل الرأي العام.وفي المقابل، يبقى وعي المستخدمين عاملاً أساسياً في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال عدم التعامل مع كل ما ينشر على مواقع التواصل باعتباره حقيقة، والتحقق من مصادر الأخبار قبل إعادة نشرها، خاصة عندما يتعلق الأمر باتهامات أو معطيات تمس سمعة الأشخاص.كما أن الأحزاب والفاعلين السياسيين مطالبون، بدورهم، بالابتعاد عن أي ممارسات من شأنها تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للحسابات الوهمية والتشهير، لأن المنافسة السياسية الحقيقية يفترض أن تقوم على البرامج والأفكار والحضور الميداني، وليس على جيوش إلكترونية مجهولة الهوية.ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الفضاء الرقمي على الحفاظ على نقاش سياسي نزيه، في ظل انتشار الحسابات المجهولة وتزايد استعمالها في الصراعات السياسية.
فالانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين حسابات وهمية، وإنما إلى منافسة واضحة بين مشاريع وبرامج، يكون فيها المواطن هو الحكم، بعيداً عن التضليل الرقمي والحملات المجهولة المصدر.