أ – لا شك أن هجرة الشباب المغاربة والمنتمين إلى دول شمال أفريقيا وبلدان جنوب الصحراء نحو سبتة المحتلة، أضرت كثيرا بالصورة الاعتبارية التي ميزت المملكة المغربية، خاصة في ظل منجزات ومشاريع هيكلية بالغة القيمة، على مستوى البنيات التحتية ذات الصلة بالموانئ والمطارات ووسائل الاتصال والمواصلات، والمناطق الصناعية ذات الجودة العالية .. رغم عديد التحديات ومواطن الضعف التي تواجه المغرب الراهن، وتكبح انطلاقته نحو التنمية الشمولية المطلوبة. صحيح أن هذه الهجرة الاستثنائية جاءت وليدة التأثيرات والإغراءات الصادرة عن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث التقط الشبان والأطفال أخبارا إلكترونية بسرعة البرق، تزعم أن باب سبتة المحتلة مشرعة، فضلا عن استغلال جهات تتاجر في البشر وتبيع لهم الأوهام والأحلام، “ثغرة” في قوانين المحكمة الإسبانية العليا تقول بعدم إمكانية إعادة المهاجرين الأجانب الذين يصلون إلى هذه المدينة السليبة سباحة، لكن في الآن عينه نرى أن تجاوب أعداد كبيرة من المغاربة كبارا وصغارا نساء ورجالا، مع هذه الدعوات السيبرانية التحريضية، تثبت أن هناك حاضنة اجتماعية هشة، مستعدة لكل الاحتمالات بدل البقاء في “بلد بلا أفق”.
ب – لكن ما أثار انتباهنا، ونحن نتابع بانتظام ما يعرض في المواقع والقنوات الإعلامية الإسبانية والمغربية، هو النهج المغربي السلبي المألوف المتمثل في “اللامبالاة لتجنب السقوط في المماحكات والعواقب غير المدروسة”، عكس الصحافة الإسبانية الإلكترونية والقنوات التلفزيونية العامة والخاصة، وهل هناك فرق بينهما؟ التي انخرطت منذ اليوم الأول من هذه الفاجعة (30 -31 يوليوز) في تزييف الحقائق، وقصف المؤسسات المغربية الرسمية بوابل من رصاص الكراهية والحقد والعنصرية، الذي يعود إلى ماض من الزمان بعيد، وبإمكان القراء الأعزاء تخصيص فترة يسيرة من الوقت لمشاهدة قناة تلفزيونية إسبانية واحدة فقط ( القناة الثالثة Antena 3) واسعة الانتشار، ليتأكدوا بأن شغل الدولة الإسبانية الوحيد هو استهداف المغرب عبر تلفيق المعطيات واستدعاء عناصر اليمين واليسار المتطرفين وأعداء الوحدة الترابية للمغرب، للتعليق على أحداث لا علاقة لهم بها، فقط من أجل التنفيس عن عقدهم المرضية إزاء جار فتح أرضهم واستمر فيها حوالي ثمانية قرون (711 – 1492)، يبني وينشئ ليخرج المسيحيين من الجهل إلى المعرفة، وهو الآن يعيش يقظة اقتصادية واعدة، تحتاج فقط إلى مناخ ديمقراطي سليم و حكامة رشيدة!
ج – ويبدو أنه من الصواب أن يخرج المسؤولون المغاربة من قوقعتهم (رئيس الحكومة، وزير الخارجية، وزير الداخلية، رئيس البرلمان ..)، لمخاطبة الشعب وتثبيت السردية الوطنية العادلة، كي تنتقل بحرية وتُحَلِّقَ في سماء الصحافة العالمية الباحثة عن الحقيقة، بعيدا عن أكاذيب الخصوم ومزاعمهم غير المطابقة للواقع. وفي هذا المنحى لا بد أن نرفع القبعة لبعض المواطنين المغاربة المطلعين على ملف العلاقة الإسبانية المغربية المعقد، وخاصة الذين يتقنون الحديث بلغة “ميغيل دي ثيربانتس” وأخص بالذكر أبناء طنجة وتطوان، الذين حاججوا الخصوم في عقر دارهم بأدب وهدوء أعصاب واستدلالات تاريخية مفحمة، أكدوا بما لا يدع مجالا للشك أن المملكة المغربية أقدم من نظيرتها الإسبانية حسب أرشيف هذه الأخيرة، وأن سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما تم احتلالهما قبل أن تنشأ إسبانيا سنة 1492 إثر خروج بني الأحمر من غرناطة، وأن استهداف المغرب يروم عرقلة إيقاع منجزاته المحورية، والحد من علاقاته الاقتصادية والجيوستراتيجية غير المسبوقة.