ثقافة و فن

رحيل مصطفى الدرقاوي.. مخرج جعل من السينما سؤالاً مفتوحاً على المجتمع والحرية

الحنبلي عزيز -تنوير

فقدت السينما المغربية، اليوم الجمعة 21 غشت 2026، أحد أبرز روادها برحيل المخرج والسيناريست مصطفى الدرقاوي، صاحب تجربة امتدت لعقود وارتبطت بالبحث والتجريب وكسر القوالب السردية التقليدية، وفي مقدمة أعماله فيلمه المرجعي «أحداث بلا دلالة»، الذي تحول مع مرور الزمن إلى إحدى العلامات الفارقة في تاريخ السينما المغربية.

ولد مصطفى الدرقاوي سنة 1944 بمدينة وجدة، وبدأ تكوينه الفكري والفني مبكراً. حصل سنة 1962 على شهادة البكالوريا في الفلسفة، بالتوازي مع اهتمامه بالمسرح وتكوينه في الفنون الدرامية بالدار البيضاء. وقد ظل هذا التكوين الفلسفي والمسرحي حاضراً بقوة في أعماله اللاحقة، التي لم تتعامل مع السينما باعتبارها مجرد أداة للحكي، بل باعتبارها وسيلة للتفكير وطرح الأسئلة حول المجتمع ودور الفنان داخله.

بعد ذلك، توجه الدرقاوي إلى فرنسا حيث درس لفترة في المعهد العالي للدراسات السينمائية بباريس (IDHEC)، قبل أن يعود إلى المغرب وينجز سنة 1964 أول أفلامه القصيرة «الجدران الأربعة»، وهو عمل لم تعد نسخته متاحة اليوم. وفي سنة 1965 انتقل رفقة شقيقه، مدير التصوير والمخرج عبد الكريم الدرقاوي، إلى بولندا للالتحاق بمدرسة السينما الشهيرة بمدينة لودز، حيث حصل على دبلوم الإخراج سنة 1972. وخلال سنوات دراسته أنجز عدداً من الأفلام القصيرة، وكتب بحثاً حول «دور السينما في تحويل الوعي والارتقاء به»، وهو موضوع يلخص إلى حد بعيد المشروع الذي سيطبع مساره الفني لاحقاً.

عاد الدرقاوي إلى المغرب في بداية السبعينيات، والتحق سنة 1973 بالمركز السينمائي المغربي، قبل أن يغادره لاحقاً متجهاً نحو الإنتاج المستقل. وفي 1974 أسس، إلى جانب شقيقه عبد الكريم الدرقاوي والعربي بلكاف، شركة «بسمة للإنتاج»، ثم أسس سنة 1980 شركة «الفن السابع». كما اشتغل للتلفزيون وأنجز عدداً من الأفلام والمسلسلات، إلى جانب حضوره كممثل وكاتب سيناريو ومونتير ومنتج في عدد من مشاريعه.

«أحداث بلا دلالة».. الفيلم الذي اختصر مشروعه السينمائي

يبقى فيلم «أحداث بلا دلالة»، الذي أنجز سنة 1974، العمل الأكثر ارتباطاً باسم مصطفى الدرقاوي، ليس فقط بسبب ظروف منعه الطويلة، بل لأن الفيلم مثل منذ البداية تصوراً جديداً لما يمكن أن تكون عليه السينما المغربية.

ينطلق العمل من فريق سينمائي يجوب شوارع وأحياء الدار البيضاء ويسأل الناس عن السينما التي يريدون مشاهدتها وعن الدور الذي ينبغي أن يؤديه الفن في المجتمع. لكن مسار الفيلم يتغير حين يجد الفريق نفسه أمام حادث يرتبط بعامل يقتل رئيسه في العمل، فتتحول الحكاية إلى مساءلة مزدوجة للواقع وللسينمائيين أنفسهم: هل تكفي الكاميرا لتغيير المجتمع؟ وما الذي يستطيع الفنان فعله أمام الفقر والظلم والتناقضات الاجتماعية؟

وتكمن خصوصية الفيلم في كونه يرفض الحدود الواضحة بين الوثائقي والخيال والارتجال. فهو فيلم عن صناعة فيلم في الوقت نفسه، حيث تظهر الكاميرا والفريق والنقاشات الداخلية داخل العمل، بما يجعل المشاهد شريكاً في التفكير في معنى السينما نفسها. وقد وصفه متحف الفن الحديث في نيويورك بأنه مزج جريء بين الدراما والوثائقي والارتجال، فيما اعتبرته الخزانة السينمائية الكاتالونية فيلماً بيانياً طليعياً ذا جذر سياسي واضح.

وقد تعرض «أحداث بلا دلالة» للمنع، وظل لعقود شبه غائب عن الجمهور. وبعد الاعتقاد بأن نسخته الأصلية ضاعت، عثرت الباحثة ليا موران سنة 2016 على السلبيات داخل أرشيف الخزانة السينمائية في كتالونيا. وخضع الفيلم لاحقاً لعملية ترميم رقمية بدقة 4K بإشراف مصطفى وعبد الكريم الدرقاوي، قبل أن يعود للعرض دولياً، ومن بين محطاته مهرجان برلين السينمائي سنة 2019 ومتحف الفن الحديث في نيويورك.

كتابة سينمائية خارج القواعد الجاهزة

لا يمكن قراءة سينما الدرقاوي انطلاقاً من الحكاية وحدها. فخصوصيته الأساسية تكمن في الكتابة السينمائية التي جعلت الشكل جزءاً من الموقف الفكري.

في أعماله الأولى، لا يسير السرد وفق خط مستقيم، بل يتشظى بين شخصيات وأصوات ومواقف متعددة. تتحرك الكاميرا بحرية، وتُستخدم اللقطات القريبة والحركة المحمولة والمونتاج المتقطع لخلق إحساس بأن الواقع لم يعد مادة جاهزة أمام المخرج، بل فضاءً مفتوحاً للاكتشاف والمساءلة. كما حضرت الموسيقى، وخصوصاً الـ«فري جاز» في «أحداث بلا دلالة»، كعنصر مستقل لا يكتفي بمرافقة الصورة، بل يدخل أحياناً في مواجهة معها.

ويبدو أثر تكوينه في الفلسفة والمسرح واضحاً في هذا الأسلوب. فالشخصيات عند الدرقاوي لا تتحرك فقط لخدمة الحبكة، وإنما تحمل أسئلة وأفكاراً، بينما تتحول المدينة والفضاءات الشعبية والمقاهي والشوارع إلى جزء من بناء الفيلم. ولهذا ارتبط اسمه بما يسمى «سينما المؤلف»، التي يكون فيها الفيلم تعبيراً عن رؤية صاحبه الجمالية والفكرية أكثر مما يكون منتجاً خاضعاً للقواعد التجارية الجاهزة.

ومن السمات اللافتة أيضاً في كتابته السينمائية الاشتغال على التعدد الصوتي، وعلى تكسير الحدود بين الحقيقي والمتخيل. لا يقدم الدرقاوي أجوبة نهائية، بل يترك أسئلته مفتوحة. وهذا ما جعل عدداً من أفلامه الأولى توصف بالتجريبية والصعبة أحياناً، لكنه في المقابل منحها قدرة على الاستمرار وإعادة القراءة بعد عقود من إنتاجها.

من السينما التجريبية إلى مخاطبة الجمهور الواسع

لم يبق الدرقاوي أسيراً لنمط واحد. فبعد مرحلة اتسمت بالتجريب والبحث الجمالي، انتقل تدريجياً إلى أفلام أكثر قرباً من الجمهور الواسع، من دون التخلي كلياً عن اهتمامه بالشخصيات المهمشة والمدينة والتحولات الاجتماعية.

وتضم فيلموغرافيته الطويلة أعمالاً من بينها «أحداث بلا دلالة» (1974)، «أيام شهرزاد الجميلة» (1982)، «عنوان مؤقت» (1984)، «أبواب الليل السبعة» (1995)، «الأليغوريا الكبرى» (1995)، «غراميات الحاج المختار الصولدي» (2001)، «كازابلانكا باي نايت» (2003)، و«كازابلانكا داي لايت» (2004)، فضلاً عن أعمال تلفزيونية وأفلام قصيرة أنجزها على امتداد تجربته.

ويرى مؤرخون ونقاد للسينما المغربية أن مساره يمكن قراءته في مرحلتين: أولى مرتبطة بسينما المؤلف والتجريب، وثانية اتجه فيها إلى السينما الأكثر جماهيرية، خاصة مع «غراميات الحاج المختار الصولدي» و«كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت». غير أن الانتقال إلى أفلام أكثر جماهيرية لم يلغ لديه الاهتمام بالفضاء الحضري أو بالتوترات الاجتماعية والشخصيات التي تعيش على هامش المدينة.

الدار البيضاء.. مدينة داخل سينماه

احتلت الدار البيضاء مساحة خاصة في تجربة مصطفى الدرقاوي. فهي ليست مجرد خلفية جغرافية، بل تكاد تتحول في بعض أفلامه إلى شخصية قائمة بذاتها. الأزقة والمقاهي والأحياء الشعبية والليل والضوء وشخصيات الهامش كلها عناصر تعود باستمرار داخل عالمه السينمائي.

وفي «أحداث بلا دلالة»، ظهرت المدينة بعيداً عن الصورة السياحية الرسمية، عبر فضاءاتها الشعبية ونقاشات سكانها ومشكلاتهم الاجتماعية. وبعد عقود سيعود إليها في «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت»، ولكن من زاوية مختلفة وأكثر انفتاحاً على جمهور السينما التجارية.

رحيل أحد رواد السينما المغربية الحديثة

مع رحيل مصطفى الدرقاوي، لا تفقد السينما المغربية مجرد مخرج صاحب مجموعة من الأفلام، بل تفقد أحد السينمائيين الذين ساهموا مبكراً في طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للمغرب أن يصنع لغته السينمائية الخاصة؟

وقد نعى المركز السينمائي المغربي الراحل باعتباره أحد رواد السينما الوطنية، مشيداً برؤيته المتفردة وحسه التحرري ومعالجته الجريئة، فيما وصفه مخرجون ونقاد بأنه واحد من جيل آمن بأن السينما ليست مجرد صناعة للحكايات والفرجة، وإنما موقف من العالم وطريقة في التفكير.

وسيظل «أحداث بلا دلالة» شاهداً أساسياً على ذلك المشروع. فالفيلم الذي حُجب عن جمهوره لعقود عاد بعد ترميمه ليجد مكانه في المهرجانات والمؤسسات السينمائية الدولية، مؤكداً أن بعض الأعمال قد تُمنع أو تختفي مؤقتاً، لكنها تستطيع أن تستعيد حياتها عندما تمتلك لغة تتجاوز زمن إنتاجها.

وبرحيل مصطفى الدرقاوي، تطوي السينما المغربية صفحة أحد أكثر مخرجيها جرأة وتجريباً، لكنها تحتفظ بإرث سينمائي جعل من الصورة سؤالاً، ومن الكاميرا أداة للتفكير، ومن الحرية شرطاً أساسياً للإبداع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى