افتتاحية

الحريك نحو سبتة.. هل تغيّرت أسباب الرحيل أم تغيّر الشباب المغربي؟ الحنبلي عزيز

الحنبلي عزيز -تنوير

أعادت موجة الهجرة غير النظامية الأخيرة نحو سبتة إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز صور السباحة نحو الضفة الأخرى ومحاولات تجاوز الحدود: لماذا أصبح بعض الشباب المغربي مستعداً للمخاطرة بحياته من أجل الرحيل؟

في السابق، كان تفسير «الحريك» يبدو أكثر بساطة: البطالة، ضعف الدخل، صعوبة الحصول على عمل، والرغبة في تحسين الظروف المعيشية. غير أن النقاش الدائر اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي يكشف عن أسباب أخرى أكثر تعقيداً. بعض الشباب كحالة الشابة وفاء،يتحدث عن البحث عن الحرية، وآخرون يثيرون الاضطهاد الأسري، أو العنف داخل الأسرة، أو عدم التدين والإلحاد، أو المثلية الجنسية، أو عدم القدرة على العيش وفق اختيارات شخصية تصطدم بما يعتبره المجتمع مقبولاً.

وهنا يظهر تحول يستحق الانتباه. فالهجرة لم تعد، بالنسبة إلى جزء من هؤلاء، مجرد انتقال من اقتصاد ضعيف إلى اقتصاد أقوى، بل قد تصبح محاولة للانتقال من نظام اجتماعي وقيمي إلى آخر.

لا يمكن، بالطبع، التعامل مع جميع هذه المبررات بوصفها حقائق عامة. فالمغرب لا يعيش حالة اضطهاد شامل للأشخاص بسبب اختلافاتهم، كما أن التجارب الفردية المنشورة على TikTok أو Facebook لا يمكن تحويلها تلقائياً إلى صورة عن مجتمع بأكمله. ومع ذلك، يصعب أيضاً تجاهل وجود توترات حقيقية بين الاختيارات الفردية وبعض القواعد الاجتماعية والعائلية السائدة.

فقد يكون الاختلاف مقبولاً ما دام لا يخرج إلى العلن أو لا يصطدم مباشرة بما تعتبره الأسرة أو المحيط من الثوابت. وفي حالات كثيرة لا يظهر الرفض في شكل منع رسمي، بل من خلال السخرية، والوصم، والضغط العائلي، والعزلة، أو مطالبة الفرد بأن يخفي جانباً من قناعاته وحياته الشخصية حتى يستمر داخل الجماعة من دون صدام.

وهذا يقود إلى تساؤل أكبر يتعلق بطبيعة التحولات التي يعرفها الشباب المغربي. فجيل اليوم يعيش، عبر هاتفه، داخل فضاء عالمي مفتوح. يشاهد أنماطاً مختلفة للحياة، ويتابع نقاشات حول الدين والجسد والأسرة والنوع  والحريات، ويقارن بشكل يومي ما يراه في الخارج بما يعيشه داخل محيطه المحلي. وربما أصبحت تطلعات الفرد تتغير بوتيرة أسرع من قدرة الأسرة والمؤسسات والأعراف على التكيف معها.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول أوروبا إلى صورة مثالية في المخيلة الرقمية. فالهجرة لا تلغي الصعوبات النفسية والاجتماعية، والوصول إلى سبتة لا يعني تلقائياً الحصول على الإقامة أو العمل أو اللجوء. كما أن كثيراً من المعلومات المتداولة على شبكات التواصل بشأن الحدود واللجوء والحماية القانونية قد تكون مبالغاً فيها أو غير دقيقة.

المسألة، إذن، تبدو أعمق من مجرد «حريك» نحو مدينة أوروبية. قد نكون أمام تغير في معنى الهجرة نفسها: من البحث عن فرصة اقتصادية إلى البحث عن مساحة أوسع لتحديد الذات.

لكن هل يعني ذلك أن المجتمع المغربي أصبح أكثر صلابة وأقل قدرة على استيعاب الاختلاف؟ أم أن الشباب أصبح أكثر رفضاً للتنازل عن خياراته الفردية؟

هل نحن أمام فئة اجتماعية «سائلة» لم تعد تجد مكانها داخل مؤسسات الأسرة والدين والأعراف التقليدية؟

أم أن هذه المؤسسات هي التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها الفرد؟

وهل الأسباب المرتبطة بالحرية والهوية التي يقدمها بعض «الحراكة» تعكس تحولات اجتماعية عميقة بالفعل، أم أنها خطاب جديد تضخمه شبكات التواصل الاجتماعي؟

وأخيراً، عندما يرى شاب أن البحر، رغم مخاطره، أهون من الاستمرار في واقعه، فهل المشكلة في الشاب الذي يريد الرحيل، أم في المجتمع الذي لم يعد قادراً على إقناعه بالبقاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى