وجهة نظر

هل كان النبي (ص) فعلا أميا؟ وهل يستحق تساؤل الفايد كل هذه الضجة التي أحدثها السلفيون؟د. محمد أكديد

تفاعلا مع تدوينة الفايد وما أعقبها من اتهام الرجل بالكفر والدعوة إلى متابعته قضائيا...هل كان النبي (ص) فعلا "أميا" حسب التعريف المتداول؟!

فجأة انفتحت أبواب جهنم مرة أخرى ردا على تدوينة الفايد المثيرة للجدل، لعنا وتكفيرا وتحريضا عليه، بالرغم من أن الرجل وإن اختلفنا معه في الكثير من خرجاته المستفزة -عادة- وقلة زاده في الفقه والتاريخ الإسلامي، قد وضع إصبعه هذه المرة على إشكال قديم لما يزل مفتوحا بين المسلمين. وهو مسألة أمية الرسول (ص)، والتي حصرها أغلب الفقهاء التقليديين خصوصا من أتباع المدرسة السلفية في التفسير الحرفي المتداول بين الأغلبية؛ أي أن الرسول (ص) كان لا يقرأ ولا يكتب، مستندين في ذلك إلى بعض الروايات التي وردت في سيرته (ص)، لعل من أبرزها قصة لقاءه الأول مع الملك المكلف بالوحي جبرائيل(ع) عندما قال له: اقرأ فرد عليه الرسول (ص): ما أنا بقارئ، كررها ثلاثا إلى أن قرأ عليه أول الآيات التي نزلت في القرآن الكريم: “اقرأ باسم ربك الذي خلق..” إلى آخر الآية.

أما ثاني هذه المواقف التي يستدل بها القوم على زعمهم هذا، فهو عندما رفض مفاوض قريش في صلح الحديبية؛ سهيل بن عمرو أن يكتب «محمد رسول الله» قائلا: «لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك»، حيث أمر (ص) عليا بن أبي طالب (رض) أن يمحوها، فأبى (رض) إجلالا وتعظيما للنبي (ص)، فطلب منه أن يدله عليها فمحاها بيده الشريفة.

وقبل استعراض مواقف أخرى تظهر بأن الرسول (ص) لم يكن أميا كما هو متداول بين أغلب المسلمين، وبأن الفايد كان محقا في ما ذهب إليه في تدوينته من أن الله تعالى لم يكن ليختار رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب حسب زعم الفقهاء التقليديين، لابد من التذكير من أننا نتحدث عن آخر الرسل وعن خاتمة الرسالات حسب العقيدة الإسلامية. وفوق ذلك فالإسلام جاء كرسالة للعالمين. إذ من حقنا أن نتساءل هنا؛ كيف يعقل أن يختار الله تعالى من بين عباده رجلا أميا ليرسله بخاتمة رسالاته إلى العالمين؟؟

ونبدأ بقوله تعالى: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم”، حيث يقدم القوم هذه الآية كدليل أول على النبي (ص) كان لا يقرأ ولا يكتب. لكنهم بذلك ضيقوا واسعا، إذ أن لفظ “الأميين” في الآية لايعني بالضرورة ما ذهب إليه أغلب المفسرين السنة كابن كثير والطبري والقرطبي… بأنه اختار من القرشيين رجلا منهم لا يقرأ ولا يكتب، وقد ضمت قريش أيضا فطاحل الخطباء والشعراء، وكانت تعقد في أسواقها مسابقات للشعر والخطابة وتكتب أشعار الفائزين ممن سحروا ألباب الحاضرين ووافقوا أذواقهم بماء الذهب ثم تعلق على أستار الكعبة. حيث نجد مثلا عندما نتجاوز أسوار المذهبية لننفتح على مدارس أخرى كمدرسة الإعتزال ومدرسة آل البيت (ع) بأن المقصود “بالأميين” في هذه الآية هم أهل مكة التي كانت تسمى “أم القرى” أو العرب الذين لم ينزل عليهم كتاب من قبل، وليس المراد بها العجز عن القراءة والكتابة المطلقة للنبي (ص)، ذهب إلى ذلك كل من الطبرسي في مجمع البيان والطباطبائي في تفسير الميزان عند الشيعة، حيث يوردون في كتبهم رواية مشهورة منقولة عن الإمام الرضا (ع) عندما سأله أحد الناس قائلا : يا بن رسول الله لم سمي النبي الأمي؟ قال (ع) : ما يقول الناس؟
فقال الرجل : يقولون أنه سمي الأمي لأنه لم يكن يحسن أن يكتب أو يقرأ..فقال (ع) مصححا : كذبوا على رسول الله، حسبهم الله، إذن كيف يقول الله في محكم كتابه المجيد وبيانه الحكيم (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )، فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن أصلا؟
وقد أكد على نفس هذا المعنى رائد مدرسة المعتزلة الإمام جار الله الزمخشري في تفسيره الموسوعي الكشاف.

أما الروايات التي تعزز هذا الطرح، فيمكن الاستشهاد بالحديث المعروف في السنة “برزية يوم الخميس”، والذي ورد في عدد من المتون السنية يأتي في مقدمتها صحيحي البخاري ومسلم. حيث روي عن ابن عباس (رض) أنه لَمَّا حضِرَ النَّبيُّ (ص) قال؛ وفي البَيتِ رِجالٌ فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قال: هَلُمَّ أكتُبْ لكم كِتابًا لَن تَضِلُّوا بَعدَه، قال عُمَرُ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَلَبَه الوجَعُ وعِندَكُمُ القُرآنُ، فحَسبُنا كِتابُ اللهِ، واختَلَفَ أهلُ البَيتِ واختَصَموا..إلى آخر الحديث..
فكيف يطلب الرسول (ص) منهم أن يقربوا له الدواة والقرطاس ليدون لهم وصيته الأخيرة (التي عارض كتابتها بعضهم) إن لم يكن يقرأ ويكتب.. وقبل ذلك، عندما نعود إلى سيرته قبل البعثة الشريفة، كيف تستأمن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (رض) ـزوجته الأولى- على تجارتها الواسعة رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب؟؟

وجوابا على الأدلة المشبوهة التي سيقت في بداية هذا العرض مما لازال يردده القوم توارثا دون تمحيص، فرد الرسول (ص) على ملك الوحي بقوله؛ “ما أنا بقارئ” لايفيد بالضرورة أنه لا يعرف القراءة، ولكنه ببساطة كان يستفهمه عما يجب أن يقرأ له، لينزل الوحي موضحا له بأن يقرأ للناس ماسوف يلقيه ربك الذي خلقهم وخلقك في خاطرك، لتبدأ رحلة الوحي..حيث سيتكفل الله تعالى بتعليم مبعوثه الجديد ماسيعلمه بدوره للناس “إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى..” الآية.

إذ لا بد لمن اصطفاه الله من بين عباده لتبليغ رسالته الأخيرة إلى العالمين أن يتفوق على باقي خلقه في الفهم والتلقين وكل مايتعلق بتبليغ الرسالة. فمن المعيب أن يكون أميا وفق تفسير القوم؛ أي أنه لايقرأ ولا يكتب، لأن ذلك سيكون أكبر ثلمة في خاتمة الرسالات ومدخلا للطعن في شخص الرسول المختار، وإن حاول البعض تقديم هذا الأمر من باب المعجزة التي تشهد لمحمد (ص) بصدق نبوته!!

أما طلبه من علي بن أبي طالب (رض) أن يدله على موضع اسمه “محمد رسول الله” في ميثاق صلح الحديبية بعد اعتراض سهيل بن عمرو على كتابته، فهو لا يدل أيضا بالضرورة على أنه لم يكن يقرأ أو يكتب كما ذهب إلى ذلك القوم، بل الظاهر أنه لم يكن يتابع عليا وهو يدون في الصحيفة ما يملى عليه، فطلب منه أن يدله أين كتب اسمه ليمحوه بنفسه بعد أن أحجم علي (رض) عن ذلك.

هكذا تسقط ادعاءات القوم بشأن التفسير الوحيد والأوحد الذي يقدمونه للفظ “الأمي” عندما ينعتون النبي (ص) بأنه لايقرأ ولا يكتب أمام تفاسير أخرى أكثر إقناعا ومقبولية بالنظر إلى رسالة الإسلام التي هيمنت على الرسالات السابقة وتجاوزت بمداها قريشا إلى العالمين.

لكن، كيف هيمن تفسير “الأمي” في التراث السني التقليدي على التفاسير الأخرى التي كانت حتما متداولة -وربما بدرجة أقوى- في العصور الأولى للإسلام؟

لكي نقف على الجواب، لابد من العودة إلى بداية العصر الأموي، حيث بدأت حملات التزوير والوضع في التفسير والسنن مع صعود معاوية بن أبي سفيان إلى السلطة لمواجهة الأحاديث التي كانت تفضح ممارسات الأمويين المنحرفة، وتميط اللثام عن حقيقتهم، وعن مكانتهم العلمية والأخلاقية الوضيعة. حيث جاءت فكرة نعت النبي (ص) -الذي هو رأس أهل البيت (ع)- بأنه لم يكن يقرأ أو يكتب في إطار معركتهم الثقافية ضد العلويين، بعد أن اتضح لهم بأن المعارك العسكرية لن تحسم الأمر بينهم، ولن تقوم إلا بتأجيل انتصار أصحاب الحق عليهم. حيث يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج (نهج البلاغة، من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رض) بأن معاوية اتخذ لجانا للوضع في الحديث، وكان مما اجتهدت فيه هذه اللجان اختلاق فضائل للأمويين والخلفاء الذين مهدوا لهم الطريق نحو السلطة، وتبخيس أدوار العلويين ومن ناصر مظلوميتهم من الصحابة و التابعين وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب نفسه، حيث بلغ بهم الحقد عليه حد الدعوة إلى سبه على منابر الشام، ولم يسلم الرسول (ص) من لمزهم من خلال الكثير من الروايات المشبوهة التي لازالت تشوه سيرته العطرة في عدد من المتون السنية، عكس ما شهد له به القرآن الكريم من خلال قوله تعالى:”وإنك على خلق عظيم” الآية… من ذلك محاولته الإنتحار بعد أن تأخر عنه الوحي، وزواجه بعائشة بعمر ست سنوات، وأمره بشق أم قرفة والتمثيل بجثتها…ومن ذلك أيضا تقزيم المكانة العلمية الحقيقية التي كان يتبوأها الرسول (ص) بتوفيق من الله تعالى، من خلال نعته بالجهل بالقراءة والكتابة!!

هكذا كانت تقتضي خطتهم اللئيمة من أجل تنفيذ أجنداتهم الملغومة بهدف تكريس نفوذهم من خلال بث عدد من المغالطات في الدين (نموذج الإسلام الأموي) في مقابل التعتيم على نموذج الإسلام النبوي الأصيل الذي كان يمثله أئمة أهل بيت الرسول(ص)، حيث أن لصق نعت الأمي بالرسول (ص) سوف يفتح بابا لتأويل الكثير من السنن الصادرة عنه بالإضافة إلى مساعدتهم في وضع الروايات التي بات يخالف الكثير منها المحكمات من آي القرآن الكريم، حيث خلق هذا الأمر فوضى كبيرة أثرت بشكل سلبي على وعي الأمة الإسلامية، حيث ساعد ذلك على تقبل القول ونقيضه مما فتح أبوابا أخرى لتبرير انحرافات الطغاة والمفسدين بالتستر وراء اجتهادات فقهاء الموائد والبلاطات، مما لازال يشكل عائقا أمام الفهم الديني الصحيح للكثير من الإشكالات، كما يحتاج إلى مجهودات كبيرة ومتضافرة (بعيدا عن التعصب المذهبي و التقوقع داخل الطائفة) لتنقية التراث الحديثي المتداول بين أغلبية المسلمين.

د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي واختلاف المذاهب الإسلاميه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى