برهنت الممثلة القديرة فاطمة عاطف، مرة أخرى، عن علو كعبها في التشخيص أمام الكاميرا. فقد أبهرتني وأنا أعاود مشاهدة فيلمها “كوندافا.. الأغنية الملعونة” (2025) من إخراج الشاب علي بنجلون، للمرة الثانية، في الدورة الرابعة للمهرجان الدولي لسينما الجبل بأوزود (2- 6 شتنبر 2026)، بعد أن شاهدته في أول عرض له بالمغرب سنة 2026 إبان انعقاد الدورة 26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة.
كان أداؤها في هذا الفيلم الأقوى، في نظري، مقارنة بباقي الممثلات والممثلين، حيث لم يوازيها في قوة الأداء فيه إلا الممثل القدير عبد الرحيم المنياري، في دور الفقيه- إمام المسجد المحافظ والمتشدد دينيا. وكان حضورها في دور الأم والزوجة طاغيا أمام الكاميرا، خصوصا في اللقطات المقربة، التي أظهرت تمكنها الملحوظ من التعبير بقسمات وجهها ونظراتها ودموعها وصمتها، عما يختلجها من عواطف وأحاسيس مختلفة، خصوصا لحظات غضبها أو فرحها أو حزنها. لقد ذكرتني فاطمة عاطف بممثلات رائعات، من عيار الفلسطينية هيام عباس واليونانية إيرين باباص وغيرهما، أعجبت ولا زلت بأدائهن الصادق والقوي في أفلام عديدة لهن.
فيلم “كوندافا”، الذي رشحتها فيه للفوز بجائزة التشخيص إناثا، وفازت بها بالفعل، ارتفع إيقاعه لحظة سفرها من القرية الجبلية الأمازيغية إلى مدينة الدار البيضاء للعودة بجثمان إبنها الشاب، الذي وافته المنية هناك، لكي يدفن بمسقط رأسه. ولعل حضورها القوي في هذا الفيلم هو الذي شدني أكثر إلى متابعته، بالإضافة طبعا إلى المجهودات المبدولة فيه على مستويات أخرى، من بينها بشكل خاص التصوير والموسيقى.
مما لاحظته على الأفلام الطويلة الستة (خمسة روائية وواحد “وثائقي”)، أن مستوياتها الإبداعية كانت متفاوتة نسبيا، زد على ذلك أن أغلبية مخرجيها ومخرجاتها لم يتمكنوا من الحضور لمناقشتها مع الجمهور النوعي المحدود، الذي شاهدها في ظروف جيدة تقنيا، داخل إحدى القاعات الصغيرة بفندق برج شلالات أوزود. فقد حضر فقط مخرج “كابوروكو” (الصخرة) البوركينابي سونغالو أفاه نيمي، وهو أقرب إلى روبورتاج منه إلى فيلم وثائقي إبداعي بالمواصفات المتعارف عليها، ومخرج فيلم “آمنة” التونسي- السويسرى بوسماحة الشماخ، ومؤلف ومنتج فيلم “كوندافا” المغربي حسن بنجلون (أب المخرج علي بنجلون)، حيث سلط النقاش معهم بعض الأضواء على أفلامهم ومواضيعها وشروط إنتاجها وإخراجها وغير ذلك.
إلا أن ما فاجأني وأثار انتباهي في حفل الإختتام هو منح الجائزة الكبرى لفيلم “كوندافا”، وهو باكورة الأفلام الروائية الطويلة لمخرجه الشاب علي بنجلون، على حساب فيلمين قويين إبداعيا هما “أغنية سيستوكستين” (2024) للمخرجة الأزباكستانية روزمتوفا خوسنورا، الذي اكتفت لجنة التحكيم الثلاثية الأعضاء بمنحه جائزة التشخيص ذكورا فقط (نالها الممثل كريم ميرخادييف)، و”آمنة” للمخرج التونسي السويسري بوسلامة الشماخ، الذي لم يحظ ولو بتنويه خاص، في حين تمت مجاملة الفيلم البوركينابي، الذي لم يكن له محل من الإعراب بين الأفلام الروائية الطويلة الخمس، المتبارية على الجوائز الأربع أمام الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية (رئيسا للجنة التحكيم) والممثل المصري أحمد وفيق والمخرج الكازاخستاني رستم أبدرشيف (عضوان).
أما الفيلم الإيطالي “سباق نيويورك” (2024) للمخرج لوكا فرانكو فقد استحق تتويجه بجائزة الإخراج، ولم يكن لفيلم المخرج التركي أوهان إنس “الأمل” (2024) حظ في التتويج.
تجدر الإشارة إلى أن الممثلة الأفغانية مارينا غولباهاري، العضوة الرابعة في لجنة التحكيم المعلن عنها سابقا، تعذر عليها الحضور لأسباب خارجة عن الإرادة.
أحمد سيجلماسي