التفكيكية التي نحاول إعتمادها تأخذ مفهوما بمفهوم أو مقولة بمقولة مقابلة ومعاكسة، وتحاول بناء سردية أخرى/ نقض الأطروحة، مشاكسة في ذلك للسردية الأولى (عادة ما تسمى السردية الرسمية، أو الأطروحة السائدة أو المسيطرة)، بإستعمال علوم أخرى، كعلم السياسة والتاريخ السياسي والمنطق الجدلي/ الرياضيات، وغيرهما، وتقنيات تحليل المضمون، وغيرها…
تحاول السردية المنتشرة، حول إنقلاب ولي العهد آنذاك على الملك محمد الخامس، أن تقدم للجمهور الرقمي، خاصة /المتتبع المرفه صورة نمطية- مثالية عن سلوك وحكمة الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني، أغلبها إيجابية ومطلقة، لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها….!
فإذا هي تقدم في ذلك الخضم، و بسرعة لافتة، الملك محمد الخامس كملك مريض – في عشريته الخامسة لاغير- وقت محاولة الإنقلاب عليه من طرف إبنه( مريض، على حد قول زوجته لالا عبلة!…)، وهو المتفاجئ مما حصل و الحمل الوديع، ماكان له إلا ان يصدر بلاغا للديوان الملكي في الثامن عشر من 1960، يتم التعبير فيه عن إستسلام محمد الخامس، وذلك في أقل من 24 ساعة، أمام ضغط وتهديد وإرادة الأمير القوية ( المدججة بالدبابات الوارفة على ابواب القصر !!) في تغيير- إسقاط حكومة ع. الله إبراهيم- ذات التطلع التقدمي الواضح( بإصدار أقبح النعوت في حق هذه الحكومة- الفلتة…).
ثم يتم نعث الحسن الثاني بأعظم وأجمل النعوت والجلالة: الداهية والمحفوظ بالعناية الإلاهية، بل ويقدم كملك أسطورة من كوكب الحكماء، عبقرية فكرية، ذو حنكة سياسية، متمتع بسكيزوفرينيا ملكية(متى كانت السكيزو خاصية رجلات الدولة العصرية…!)، قوي الكاريزما، أسد، متقن للخطابة، أنيق المظهر، دبلوماسي، بل وحتى “جميل”!، باني المغرب الحديث وموحد الامة، داهية وذكي، له ثقة بالنفس، ورث مغربا وترك مغربا آخر، مبدع المسيرة، حتى أن يضاف إلى كل ذلك أن هناك من عشقوه حد الجنون، ومن لازالوا يتذكرونه ولا ينكرون جميله ( ويقدمون الكسكس قربانا/ تخليدا لذكرى رحيله، من قلب فرنسا العميقة ومن امام تور إيفل، من طرفنا!..)، ومن رؤساء خارجية العالم من أشادوا بسياسته الخارجية الفذة، وحتى “الداخلية” (متى كان لهم فخرأن يتدخلوا في سياسة بلدنا الداخلية ! إلخ. ).
وهي بالطبع نعوت للشرعية والفخامة والجلالة تتطلب الإنتباه من مطلقيتها وقدسيتها الرمزية والإجتماعية، ومن إطلاقها على عواهنها، خاصة بعد سيناريو الإنقلابين المعهودين، وعلما في السياسة ان الحكم لايتم دائما بسفور ما، وإنما من الممكن ان يتوسل النعومة، وأن يتم بإختلاقوإستباق وإبداع الأزمات. والفوضى، عوض إعمال أساليب السلطة التقليدية المعروفة لحلها ( أنظر في هذا الصدد أعمال كل من ميكيافيلي، حيث الحاكم يصنع الأزمات، كالإنقلابات، مثلا، من عندنا، ليظهر بعدها كالمنقذ، وكارل شميت حيث السيادة تثبت نفسها في حالة الخطر، وفوكو حيث إعادة تشكيل السلطة يتم كذلك بإستعمال الأزمات، وهنكتكون/ المنجرة،..حيث تعيد الدولة تشكيل الجيش عبر الأزمات وليس عبر قرارات مباشرة، إلخ !)
(…) وإن لم تنس السردية العامة ان تذكر بمن كانوا يرون فيه “طاغية لا يرحم!”،( أظن انها تشير بشكل غير مباشر إلى بعض مواقف رموز الحركة الوطنية الأنداد و مقاومي جيش التحرير وباقي أيقونات اليسار…. )، مما يتم إستشفافه من أسلوب الأحاديث العابرة والمسفهة عن معارضي النظام، كإبن بركة المهدي، بل و يتم التنويه بملك حكم المغاربة بفخر لأربع عقود بقبضة من حديد، فرق ليسود ( هكذا!!)، وفلت بقدرة قادر- سحريا- كما تفلت الشعرة من العجين وبقدرة قادر من إنقلابين غادرين.، ليساهما في نسج أسطورة ملكية راسخة برفع غير مسبوق للشرعية الملكية..! أو لأي شرعية أخرى وللباحثين في التاريخ السياسي ما يفيذ ذلك، أكان مع إنقلاب تركيا/ 2016، أو إنقلاب محمد نجيب على عبدالناصر في مصر/ 1954، أو الإنقلاب على دوغول/ 1961…..).
وتجدر الإشارة إلى النعوت السيئة، (التي ينقلها بعض اليوتبر عن نظر الأمير المتطلع للحكم المطلق، آنذاك،) في حق حكومة ع. الله إبراهيم، وكذا إلى الظرفية السياسية الحرجة التي تطلبها البناء الوطني- المؤسساتي للدولة- المخزن، والتي كانت تعرفها بالضرورة بلادنا، غداة الإستقلال
( إغتيال عباس لمساعدي، تمرد عدي أوبيهي، إنتفاضة الريف، زلزال أكادير،…)، لا لشيء وإنما ليبرروا شغف وحسن نية السطوة المطلقة للأمير الشاب على مقاليد الحكم الفردي( أنظر عمل المعطي منجيب في هذا الباب، الملكية المغربية والصراع من أجل النفوذ/ 1992، حيث يقف الحسن الثاني في وجه المعارضة الوطنية ، وذلك من الإستقلال إلى حالة الإستثناء).
يتم ذلك دون أن يشيروا إلى “لا أخلاقية” التآمر ولا إلى سلوك العسكر/ لاشرعية الإنقلابين المتواليين بداية السبعينات، وكيف إستجابة، بوعي او بدونه، لضرورة تاريخية بناء الجهاز الامني والعسكري للبلاد، إلا إزدراء سلوك العسكر الأغبر، وحلفاءه المفترضين في الداخل والخارج، ممن يواليهم ويتعاون معهم، والذي لم يقو على الإطاحة بالأمير مرتين في الأرض ومن أعلى الطائرات…في بهلوانية وعبثية (يصعب تقديرها وتصديقها وجدية قصديتها!).
والحال ان ما خسر المغرب هو مدرسته العسكرية الفركفونية، مدرسة هرمومو، والبناء الوطني عليها ، وما كنا سنقع في الحاجة- اليوم – إلى “تحالفات عسكرية مشبوهة” ولا إلى التخوف من “خصوم من ورق”، لو تم توطينها ومغربتها بشكل سلس وسليم وواعد، وهي المعلمة التي تم القضاء عليها وعلى أثرها بجرة قلم و بتنفيذ سيناريو إنقلابينمكرورين محبكين، عن قصد أو بدونه!
عجيب ان يكافىءويتحول ويصدرمن قاد وإنتصر في حرب الرمال/ 1963،الجنرال احمد الصفريوي، إلى سفير بأمستردام، ومن إنتصر في حرب الجولان/ 1973، الجنرال إدريس بنعمرو، إلى وزير للبريد، لتتم تصفية أوفقير و الدليمي، ايضا وفي ركاب نفس الإستراتيجية، … وذلك في “عقابات ناعمة” أو “دموية عنيفة” وإجلاءات وتبذير فج واضح لما كان من الممكن ان يفخر به المغرب الحديث، وتكون قد ورثته وراكمته المدرسة المغربية اليافعة من رأسمال وقوة ومهنية وحنكة….!
لقد إعتبر الأمير وسوق لذلك كثيرا (لدى قوى داخلية وخارجية، و لدىاليوتبرز، الذين يوالونه اليوم)، ان هذه الحكومة/ حكومة ع. الله إبراهيم- الخارجة أصلا من رحم الوطنية والإستقلال- “فاشلة وجاهلة” أصلا، (هكذا!)، أعضاؤها “بلداء وبدائيين في آن”، ومن الواجب التوجس منها، وفي حالة تطبيق مشروعها “الوطني الإجتماعي ذو النفحة التقدمية”، فسيكون وبالا على المغرب، لا غير!! هكذا! وتطلعه/ الأمير لإعلان نفسه رءيس حكومة من فوق تتمتع صراحة بالإنسجام الشكلي لأعضاء معينين تحت سلطته المطلقة!
ومن تم أيضا الإعداد لأحزاب إدارية أخرى تباعا كالفطائر، بإسم التعددية الحزبية المزيفة ضدا في الحزب الواحد، وأعتبر ذلك ذكاء إستراتيجيا خارقا( حزبالفديك، كحزب البام، اليوم، وحزب الحركة الشعبية، والأحرار والدستوري، وغيرهم من الأحزاب المخزنية المعروفة بالإدارية) تنافس حزب/ أحزاب الحركة الوطنية، (كحزب الشورى والإستقلال، وكذا الحزب الوطني للقوات الشعبية، ولاحقا الإتحاد الإشتراكي، وما إشتقوإنشق منها بعدئذ، إلخ…)، والحسم في جمع كل السلط في يد الملك وتوريثها، بالتالي، وتشكيل وزارات السيادة، الخ..
ما كان الأمير ومن معه يهابه حقيقة هو هيمنة تلك الشرعية الوطنية الجامعة لحزب الإستقلال، والتي كان يعطيها عامة الشعب/ حزب الإستقلال (الحزب الوطني الوحيد في الساحة، آنذاك) للنخبة السياسية المتنورة المتياسرة، ذلك أن الحسن الثاني، ولي العهد والصديق الخصم لبنبركة، آنذاك، في آن، كان يرى في هذا الأخير معارضا شرسا، وهو الذي كان يحضر لمؤتمر هافانا بكوبا/ القارات الثلاث، ضد الإستعمار، القديم منه والجديد، مما أذكى للملك الحسن الرغبة الجامحة في ضربه وضرب المعارضة القوية، برمتها، حينها .
يمكن أن ننظر في هذا الباب إلى كل من روجي فاليكو ومن معه، “بنبركة، دوغول والحسن الثاني”، حيث أوضحوا مدى تردد فرنسا بين الولاء لرغبة المغرب الرسمي وعدم التدخل في اغتيال بنبركة، خدمة لمصلحتها، لتغطي عمليا على الجريمة)، الخوف في أن لا يبقى للقصر إلا السيادة ( وهو أمر ليس بالهين ولا اليسير ولا دون المشرف جدا !)، وليس الحكم المتقاسم، الديموقراطي، أن يسود ولا يحكم ( وهو البرنامج السياسي للإشتراكي الموحد، اليوم، أيضا)، كما هو الأمر مع محمد الخامس، آنذاك، في الفترة الملتبسة القصيرة التي كان يحكم، ويشترك الحكم فيها بمعية الوطنيين- قياديي حزب الإستقلال، كما هو فخر كل الملكيات البرلمانيات الديموقراطية عبر العالم، كالسويد والنرويج والفايلاند والإنجليز وإسبانيا، وما ذلك بعزيز علينا !
ذ. عبدالواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد/ تحالف اليسار.