وجهة نظر

حتى لا يلبس البرلمان على مقاس ادريس البصري – عدنان العمراني

  تجري انتخابات 23 شتتبر خارج الزمن الدستوري، لكون النسخ الفعلي لدستور 96 – بعتاده التشريعي و ترسانته القانونية و مخزون المذكرات الوزارية و المراسلات و الظهائر و القرارات العاملية و التوجيهات و التعليمات و الاوامر المختومة منها او الشفوية …. – لن ينطلق إلا مع دخول قانون الدفع بعدم دستورية القوانين حيز التنفيذ. و رغم الطابع المؤقت للآحكام الانتقالية فلن يبدآ ذلك إلا سنة واحدة قبل مونديال 2030 ، هذا إذا توفرت الارادة السياسية في تلك الولاية الحكومية .

 حيث فوضت المحكمة الدستورية دخول أحكام قانون 35.24 حيز التنفيد للسلطة التقديرية للمشرع. و الارادة السياسية للحكومة لإرساء اليات التنفيذ دون سقف و أجندة متدرجة او انتقالية للتطبيق. ودون استحضار للقانون الآسمى او لروح ومنطوق الفصل 132 و اختصاصها الحصري للنظر في مطابقة القوانين التنظيمية للدستور كجزئ لا يتجزآ ، وليس المواءمة مع أحد فصوله، ودورها التأسيسي بصلاحية الموافقة على تغيير النصوص التشريعية بمرسوم.

 إن هذا التآويل الذي منحته المحكمة للقانون 35.24 يسائل الفقهاء الدستوريين و اهل الاختصاص مع كل النوازل المستجدة ، حول موقع الفصل 86 في الهندسة الدستورية. و حول جميع الضمانات و الاليات و الأدوات الدستورية و السياسية و المؤسساتية… لتفعيل سمو الدستور. هذا إذا اخدنا بعين الاعتبار انه حتى عبارة المجلس الدستوري لم يتم نسخها في بعض النصوص التشريعية و التنظيمية طبقا للمادة 49 من القانون 66.13 ، كما هو الحال في المادة 89 من قانون 27.11 .

 و لا شك ان اي دستور ضمن مساره التاريخي في المرحلة التأسيسية و الانتقالية ، يطرح تعقيدات و اشكالات و تصادمات و صراعات و تجاذبات … لكن المهم هو تدبير الدولة للإختلاف ، وقدرتها في بناء تصور استباقي على أرضية و ركح العهد الدستوري الجديد ، خصوصا و انها تتكئ على إرادة و طنية مستقلة ، تجعل من انبثاق المؤسسات الدستورية متوازنة و تجسر للتعاون بين السلط كأحد ركائر الاستقرار و التنمية ، و حيث الثطور الديمقراطي و المؤسساتي ومناخ الأعمال هي معايير جوهرية بالدول الصاعدة.

 و يتوازى مع هذه الارادة سلطة مجتمعية وازنة ابانت أثناء كوفيد 19 و زلزال الحوز …عن طموحها و قناعتها في ترسيخ اسس دولة الحق و القانون و احداث قطائع مؤسساتية مع المقاربات الإحسانية، كما سبق و أن رصدت كل المؤسسات الرسمية في تقاريرها بالجريدة الرسمية ، ان كل الاحتجاجات التي شهدها المغرب تستند على تفعيل الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية المكتسبة في الدستور الحالي. كما ان الدينامية النقابية همت في جزء كبير من مطالبها مأسسة العلاقات التعاقدية مع الدولة على اساس القوانين الاساسية للوظيفة العمومية.

 وتفعيل الفصل 5 من الدستور كان سيسمح للمجلس الوطني للغات و الثقافة المغربية ، بالمساهمة من موقعه في اعداد الوثيقة الموسعة لمشروع الحكم الذاتي ، وكان على الاقل سيجنب الفضاء الرقمي هذا التناطح و السجال العقيم. فلا اللغة العربية تمنع تفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية ، و لا اللغة الامازيغية تمنع العربية من ان تكون اللغة الرسمية للدولة، مع الانتباه الى المردودية الاقتصادية للفصل 5 من الدستور ، في احداث مناصب الشغل بالمدارس الخصوصية و القطاع العام ، و تخفيض الكلفة الاقتصادية للتعاونيات و المقاولات الصغرى و المتوسطة في الولوج الى الصفقات العمومية ، وتحسين تنافسيتها و الشراكات و الاستفادة من جميع الخبرات باللغات الاكثر تداولا في العالم.

 و كذلك الحال مع الفصل 54 كان سيجنب توريط الأحزاب السياسية في ذلك الموقف من شباب الريف وكل ما من شأنه التاريخي . أو خرق السلطات العمومية للفصلين 12 و 29 من القانون الأسمى بحجة تهديد الامن العام ، أو توقيف الجمعيات بدون مقرر قضائي من خلال عدم تسليم و صولات الايداع في استباحة لفصول الدستور .و أمام فرضية ان تصرح المحكمة الدستورية سنة 2030 بعدم دستورية قانون المحاماة، ماهو التوصيف القانوني و الدستوري لهدر الزمن و الموارد و مصالح المتقاضين.

 لكن السؤال السياسي حول التأويل الديمقراطي لإرادة المشرع يبقى جوهريا ، فلا نجد تفسيرا للمادة 5 من قانون 23.66 سوى منع انتقال الخبرة القانونية و القضائية ، و سد باب الرزق لمن يرزح تحت اكراهات الوظيفة العمومية و الأعراف المخزنية لواجب التحفظ ، أو ربما استباقا منع معتقلي الرأي الولوج الى مهنة المحاماة. كما ان مبدأ الكفاءة يطرح سؤالا اخر بالعلاقة مع فضيحة الماستر حول الادوار الرقابية لمختلف المؤسسات و اليات التقييم الداخلي.

و ما موقع مجلس المنافسة و الدور الوظيفي و الدستوري للامانة العامة للحكومة، من مسارات قانون العدول. و في صلب كل هذا الغاية من هندسة القوانين و استهداف المؤسسات ذات الشخصية الإعتبارية و التنظيم و التسيير الذاتي الإداري و المالي .

 بناءا على كل النوازل المستجدة التي تضع الدستور امام حقيقة الوقوف على قدميه. و هذا التمهيد . يرتطم العهد الدستوري الجديد بسؤال مركزي حول هذا الاستعصاء في انتهاء مرحلة الاحكام الانتقالية . و متى تستكمل المرحلة التأسيسية التي تعيش وضع انكباس.

 هناك مستويات متشابكة لتسميد أرضية هذا السؤال لكن يجب التمييز بين مبررات وتيرة التباطؤ التي يرجؤها البعض الى عدم اهلية النخب و الطيف السياسي الذي ساهم برصيد مهم من المقترحات من خلال الاليات السياسية المرافقة للجنة الاستشارية الملكية بتعديل الدستور ، و تصل هذه التبريرات الى حدود الاشادة بالقدرة على المراوغة و العبقرية على إبقاء الدستور على حاله. وهي اراء و تشخيصات لا تلزم سوى اصحابها و تتقاطع مع الجذور الايديولوجية و الثقافية للاستعمار و يرتكز عليها اليمين المتطرف اليوم لتوضيح تفوقه الفكري على باقي الشعوب الاخرى ، وبين المثبطات و العوائق الدستورية و السياسية و المؤسساتية الموضوعية ، و عوامل اخرى تجد جذورها في اهتزاز التعاقدات بين المؤسسة الملكية و الحركة الوطنية في ارتكازها على الحمولة الوطنية لعشرين غشت ، حيث انتقل ثقل الفقهاء بعد البيعة الحفيظية في الحياة السياسية الى الحركة الوطنية و الشعب المغربي. و هي مرحلة فاصلة من تاريخ المغرب يكثفها سؤال حول كيف تحولت موازين القوى التي كانت لصالح المغرب الى ضده مابين 1961 و 1984 جعلت الحسن الثاني يعاقب منظمة الوحدة الافريقية بقرار انسحاب المغرب منها.

 لكن اختصارا يمكن رصد هذه العناصر و العوامل :

1 – يمارس الملك الصلاحيات الدينية المخولة له حصريا من خلال الفصل 41 و يسمح الفصل 95 في الباب السادس للملك بطلب قراءة جديدة لكل مشروع او مقترح قانون . و رغم هذا الامكان الدستوري هناك استنزاف للمؤسسة التشريعية و تتويهها بفتوى المرجعية الديتية .حيثما تم استحضار سمو الاتفاقات الدولية التي صادق عليها المغرب كما حدث في قانون الاضراب حيث تعطلت الملاءمة بعد القرار اللاحق لمحكمة العدل الدولية .كما تم تضمين الخطاب الملكي ضمن المادة الاولى في نفس القانون ربما في احالة الى صبغة الطهير الشريف .

ان مصطلح المرجعية الاسلامية يشبه دس السم في الدسم، فبهذا المعنى تصير كل المرجعيات الدينية للدول الآعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي مرجعية للدولة. و استعماله بشكل فضفاض ينتوي اخراج موروثنا الحضاري و الديني من اسهاماته كونيا .فحرية المعتقد و العدل و اللجوء ترسخت في الحبشة ، و اذا اخذنا خزعة لقيم الحداثة و التقدم كمشترك انساني فسنجد اسهام المرآة في بناء جامعة القرويين و الوقف الذي اشتهر به المغاربة حتى خصوا به الطيور و الحيوانات و الدواب. و نتذكر كيف سمح تآويل هذه المرجعية لوزير العدل من التملص الضريبي.

2 – يجد مقترح العفو العام مشروعيته الديمقراطية من الاحتجاجات التي طالبت بإطلاق سرا ح المحكومين و المعتقلين , تجاوزت عمليا ما تتطلبه الملتمسات و العرائض . و ترسو شرعيته السياسية على خلاف العفو الخاص بكونه يسمح بتحقيق مصالحة الشباب مع السياسية , بتحقيق شرط استعادتهم لحقوقهم المدنية و السياسية .

إلا ان هذا المطلب يجابه بكونه احراج للمؤسسة الملكية دون انتباه الى الحمولة الدستورية و السياسية لهذا التبرير. ، الذي يتم اعتماده اليوم لتقويض و تعميق المأزق الدستوري و القانوني لمكون رئيسي من مكونات العدالة و المرفق القضائي . و تنمو هذه السردية و تتقوى بمحاصرة الحق في التفكير و الاختلاف و التلويح بمعارضة الملكية بما يستبطنه هذا الاتهام من تاريخنا الخبيئ وسنوات الجمر و الرصاص و التخويف بالتشهير و المساس بالحياة الخاصة. و ما يحققه من إبكام للاجتهاد و الاسهام الاكاديمي في النقاش و الترافع الدستوري و القانوني .

بل هناك من وصل به الامر الى طلب التحكيم الملكي في باركينغ.

3 – الإستحواذ على الخطاب الدستوري و المؤسساتي و الحقوقي و تجويفه من ركائزه في النقاش العمومي و التأسيس للديمقراطية و حفظ الذاكرة، لتطويق أدوار المجتمع المدني و الإعلام و حرية التعبير و الحق في المعلومة …. بحيث تطلق اليوم الاتهامات على عواهنها للمنتخبين و السياسيين و تحميلهم وحدهم و خارج مساحات اختصاصاتهم مسؤولية الفوارق المجالية او ما يسمى بالمغرب الغير النافع . في تهرب من الماضي ومن توصيات جبر الضرر الجماعي من عقاب سياسي تم انزاله بالعديد من المناطق . ما فوت على جهات بكاملها عقودا من التنمية و تراكم الثروة و نسب نمو ، و لازال هذا العقاب مسلطا تحت عناوين و ادوات مختلفة ،مثل برنامح تقليص الفوارق المجالية الذي يمتد الى 2034 ، بعد فشل تفويض الصلاحيات الوزارية في مجال الاستثمار للولاة و العمال ، و رفض وزارة الداخلية نقل الصلاحيات الدستورية الخاصة بالجهات، وتشتيت الدعم العمومي و منع التقائية المشاريع التنموية .

4- يسمح السياق الدولي اليوم لابتهاج العديدين بالحضور المحتشم للميثاق العالمي لحقوق للانسان و للقانون الدولي الانساني… يتضح ذلك جليا امام تحول الاتحاد الاوروبي الى دمية في يد اليمين المتطرف و انقسامه بسبب التوصيف القانوني المناسب لتصريح عضو في حكومة دولة يطالب فيه بابادة يومية لمواطنين ينتمون الى نفس قرلر الامم المتحدة الذي تاسست بموجبها هذه الدولة.

لقد تمكن هذا اليمين من شرعنة وجوده كمكون اساسي من الحياة السياسية و المؤسساتية و الثقافية لأوروبا، و حول سقف طموح المواطن الاوروبي إلى الشروط الاقتصادية و الاجتماعية للمهاحرين في قطاعات البناء و الفلاحة و الخدمات . و رغم الخصاص في قطاعات الصحة و التعليم …. فأوروبا عاجزة عن ملئه بسبب اقتطاعات الحكومات اليمينية و الخوصصة و فتح المجال للشركات التكنولوجية لابتلاع الكلفة المالية لهذه الوطائف و سحق الوظيفة العمومية بالتعاقد.

وانتعاش هذه الايديولوجيا يمهد العالم اليوم الى لعبة الروليت النووي و في افضل الاحوال الزج بالشباب في اتون الحروب بعد التضحية بكبار السن في كورونا …

 لقد تم تحويل المهاجرين الى العدو الجمعي في أوروبا و أمريكا ورغم قانون الهحرة و اللجوء و غلق الحدود و طردهم لم تنخفض الاسعار و لم تحل المشاكل الاقتصادية الهيكلية التي يفترض سببها المهاجرين، وان كان في حالة يمين الدولة الاسبانية يلوح بشكل صريح للمسلمين المغاربيين فإنه يستثثني دول الخليج …وهدفه الحقيقي هو هدم الحماية الدستورية و القانونية لحرية المعتقد .

5- كرست الحكومة التأسيسية لدستور 2011 ، استمرار البلاط الملكي في رسم العلاقة بين السلط وفق دستور 96 و سمو البروتوكول على السلطة التشريعية ، حين تم استقبال رئيس الحكومة الاسبانية قبل تنصيبها من طرف البرلمان طبقا لمنطوق الفصل 88 ووزن ملتمس الرقابة و سحب الثقة في الكتلة الدستورية .

 إن النقاش حول صلاحيات جديدة للمؤسسة الملكية لم تطالب به بل اشرفت على كل مراحل اعداد دستور 2011 و تضمينه تصورها و مشتركها مع كل مكونات الشعب المغربي و ضمنه الاختيار الديمقراطي كخيار لا رجعة فيه ، يقابله تصور اخر يطرح ملكية برلمانية تفضي الى الديمقراطية أو دولة ديمقراطية تستوعب الملكية بمنطق العصر كما هو جاري به العمل في العديد من الدول . يختلف عضويا عن المطالبة او فرض أمر واقع بممارسة صلاحيات غير دستورية ستمس بمصداقية المغرب و سيعد انقلابا كامل الاركان.

 و بالعودة الى الانتخابات في الزمن الدستوري الحالي، نجد ان الزام المواطنين بالتقييد في اللوائح العامة ،هو اسقاط لحقوقهم المدنية و السياسية و لأهليتهم الانتخابية و حقوقهم الدستورية في تقديم العرائض و الملتمسات و حملهم على الامساك عن التصويت بسبب هذه العدمية و النزوع السلبي بدل التسجيل التلقائي و المباشر في اللوائح الانتخابية عن طريق البطاقة الوطنية،و اشعار المشطبين بدل ارتهانهم الى هذه القرارات المزاجية و الكسولة و اصطناع البلادة السياسية بفتح اللوائح و ارهاق الموطنين بهذه الجولات التفقدية لاشعار بعض المسجلين.

 لا شك ان صراع القوى السياسية و الحية من أجل الديمقراطية سيبقى مستمرا، للحفاظ على المكتسبات التي تحققت بالنضال الجماهيري السلمي و الحوار المسؤول و استنفاذ كل الامكان الدستوري الحالي ، و التفاوض العلني الذي مارسته النقابات و ضمنها حماية الوظيفة العمومية التي يزحف اليها التعاقد من باب الصحة و الجامعة بأدوات المناولة و غيرها… وكذلك الحفاظ على التعددية الحزبية كمكتسب تاريخي و استراتيجي منذ تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

 و من خلال التركيب العام لما سبق، يتمخض سؤال المشاركة او المقاطعة ليس كسؤال موسمي تفرضه انتظامية الانتخابات ،و لكن من خلال تراكم النقاشات المتقطعة لما امكن الاطلاع عليه ان هناك مساحات شاسعة من التقاطعات على اختلاف الانتماءات السياسية و الحزبية و الايديولوجية .. يمكن التوقف حول ثلاث افكار اساسية : اولا حين نقاطع فنحن نمارس حقنا الدستوري ولانحتاج الى تبرير ، و بالنظر الى مالات الدستور الحالي نستوعب كيف ساهمت المقاطعة بإخراج نص دستور 2011 بصيغته الحالية .

ثانيا حين نشارك فنحن نعود الى المؤسسات التي بنتها ودافعت عنها و ضحت من اجلها القوى السياسية كل من موقعه ،و نحن لا نطلب إذنا او شرعية من أحد خارج المشروعية الديمقرطية بتفويض من الكتلة الناخبة في و ضع القيد. ثالثا حتى و لو توفرت كل الشروط التي تلبي مطالب القوى الديمقراطية و بدستور يمكن من ممارسة كل السلطات صلاحياتها، فصناديق الاقتراع تفرز كذلك المعارضة ، وعلى المرأ ان يتمتع بكثير من العدمية السياسية و السلبية ان تتحقق هذه المطالب بغير وضوح البوصلة و كما يحفظ تاريخ المغرب كيف تم إغلاق البرلمان بعد ملتمس الرقلبة و اتلاف حوارات السياسيين في الاعلام العمومي انذاك.

يمكن القول ان تمرحل التاريخ الحديث للمغرب تشكل كذلك من خلال القدرة على دوزنة المفاهيم لذاتها ، باالانتقال من مفهوم الحماية الى الوصاية الى الاستعمار/الكولونيالية الى السيادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى