اخرى

حين تتكلم الأجساد في حضرة السلطة: قراءة في جدل وضعية جلوس أخنوش

أثارت وضعية جلوس عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، واضعا رجلا فوق أخرى أثناء الاستماع إلى الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، نقاشا تجاوز حدود الحركة الجسدية في ذاتها، ليفتح الباب أمام أسئلة تتصل بعلاقة الجسد بالسلطة، وبالرمزية التي تكتسبها الأجساد داخل الفضاءات المؤسساتية.
ولعل الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس، من خلال مفهوم “تقنيات الجسد”، يتيح لنا مدخلا لفهم هذه الواقعة، فالجسد، في تصوره، ليس مجرد معطى بيولوجي، بل هو أيضا نتاج اجتماعي وثقافي تتشكل حركاته وإيماءاته وفق أنماط مكتسبة ومعايير تتفاوت باختلاف المجتمعات والسياقات. ومن ثم، فإن وضعية الجلوس، وإن بدت حركة عادية في الحياة اليومية، قد تكتسب دلالات مختلفة حين تنتقل إلى فضاء تحكمه رمزية المؤسسات والأعراف البروتوكولية.
غير أن الجسد لا يتحدث بلغة واحدة، ولا يحمل في حركاته معنى ثابتا ونهائيا. فما قد يراه شخص تعبيرا عن الراحة أو العفوية، قد يقرأه آخر بوصفه إخلالا بما تقتضيه المناسبة من وقار. وبين الحركة وتأويلها مسافة تتدخل فيها الثقافة والتمثلات الاجتماعية والمواقف السياسية، فضلا عن الصورة المسبقة التي يحملها المتلقي عن الشخص المعني.
وتزداد هذه المسألة تعقيدا حين يتعلق الأمر بمسؤول سياسي كان يشغل موقعا داخل هرم السلطة التنفيذية، ويظهر في مناسبة رسمية تتقاطع فيها الرمزية الدستورية مع قواعد السلوك العام. فالموقع السياسي لا يجعل الجسد خارج دائرة التأويل، لكنه لا يمنح المتلقي، في المقابل، حق تحويل حركة عابرة إلى دليل قاطع على النوايا أو المواقف أو درجة الاحترام.
من هنا، لا يكمن السؤال الأساسي في إصدار حكم أخلاقي على وضعية جسدية، بل في مساءلة الثقافة السياسية التي تجعل من المظهر أحيانا مدخلا للحكم على الأشخاص، وتدفع النقاش العمومي إلى الانشغال بإيماءاتهم وهيئاتهم على حساب القرارات التي اتخذوها والسياسات التي أشرفوا عليها.
وتكمن المفارقة في أن بعض أشكال النقد السياسي، وهي تسعى إلى مساءلة المسؤولين، قد تعيد إنتاج التصورات نفسها التي تمنح المنصب هالة رمزية خاصة، حين تختزل احترام المؤسسة في الامتثال الصارم لتمثلات شكلية عن الوقار والهيبة. والحال أن احترام المؤسسات لا يعني تقديس شاغلي المناصب، كما أن مساءلة المسؤولين لا تستلزم إخضاع حركاتهم العابرة لتأويلات أخلاقية تتجاوز ما تسمح به الوقائع.
ومن منظور حقوقي وديمقراطي، يظل التمييز ضروريا بين نقد السلوك في سياقه العام، وهو أمر مشروع في مجتمع يراقب أداء مسؤوليه، وبين إطلاق أحكام تمس الكرامة أو تنسب النوايا دون أدلة كافية. فحرية التعبير تتيح للمواطنين مناقشة سلوك المسؤولين العموميين، لكنها تكتسب قيمتها الديمقراطية حين تستند إلى الحجة، وتحترم كرامة الأشخاص، وتفسح المجال أمام تعدد القراءات دون تحويل الاختلاف إلى إدانة مسبقة.
ولا يعني هذا الموقف إعفاء المسؤول السياسي من المساءلة، أو التقليل من أهمية الأعراف المنظمة للمناسبات الرسمية، بل يعني وضع كل قضية في حجمها المناسب، والتمييز بين الرمزية التي يحملها الفضاء المؤسساتي، وبين المسؤولية السياسية التي تترتب عن ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام.
فالمساءلة الديمقراطية لا تبنى على مراقبة الأجساد وحدها، بل على فحص السياسات والقرارات والنتائج، وعلى قياس أثرها في الحقوق والحريات والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. وإذا كان الجسد قابلا للتأويل، فإن الحصيلة الحكومية تظل موضوعا قابلا للفحص والنقاش والاستناد إلى المعطيات.
في النهاية، قد تكشف صورة عابرة شيئا عن الطريقة التي يتفاعل بها المجتمع مع رموز السلطة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على صاحبها. والأجدر بالنقاش العمومي أن يجعل من هذه الواقعة مناسبة للتفكير في ثقافتنا السياسية، وفي الحدود الفاصلة بين احترام المؤسسات وتقديس الأشخاص، وبين حرية النقد والانزلاق إلى محاكمة النوايا.
سعيد لهنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى