وجهة نظر

من حكمة الإجراء إلى مشروعية الجزاء: البريد الإلكتروني وحق التقاضي في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد قراءة في المواد 77 و81 و84 و86 على ضوء فلسفة الحق ومقاصدية التشريع

   ليس كل إجراء مبرر مشروعاً بالضرورة، وليس كل جزاء منصوص عليه قابلاً للتطبيق دون فحص شروطه، كما أن مجرد الاستناد إلى النص لا يغني عن التعليل القضائي ؛ وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بشكليات الدعوى، حيث ينبغي أن تظل الإجراءات وسائل لحماية الحقوق وتنظيم الخصومة، لا أن تتحول إلى غايات مستقلة عن المصالح التي شرعت لخدمتها.
من هذا المنطلق، تثير المادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد، رقم 58.25، إشكالاً يتجاوز إلزامية تضمين المقال الافتتاحي البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان هذا البيان واجباً، وإنما لماذا اشترطه المشرع، وما المصلحة التي قصد حمايتها، وهل يتناسب جزاء عدم القبول مع إغفاله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبريد الإلكتروني للمدعى عليه، الذي قد يتعذر على المدعي معرفته، رغم ثبوت هويته ومقره القانوني وإمكان تبليغه وفق المسطرة المقررة؟

وتقتضي الإجابة اعتماد قراءة نسقية لا تعزل المادة 77 عن باقي مقتضيات القانون، وخاصة المواد 81 و84 و86، ولا تفصل بين فلسفة التشريع ومقاصده، وبين التطبيق القضائي وآثاره على الحق الدستوري في التقاضي.

أولاً: حكمة المشرع بين الغاية المفترضة والاختيار التشريعي :

يمكن افتراض أن المشرع، باشتراط البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري، قصد تحقيق مجموعة من الأهداف المشروعة، في مقدمتها تحديث العدالة، وتيسير التواصل، وتسريع الإجراءات، وتدعيم وسائل الوصول إلى أطراف الخصومة.
غير أن استنباط هذه الحكمة من بنية النص لا يعني إثبات الإرادة التاريخية الفعلية للمشرع، التي يقتضي تحديدها الرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمناقشات التشريعية ؛ كما أن مشروعية الغاية لا تستلزم بالضرورة مشروعية الوسيلة المختارة لتحقيقها.
فقد يكون تحديث العدالة هدفاً مشروعاً، دون أن يكون تحميل المدعي مسؤولية معرفة البريد الإلكتروني لخصمه أداة ضرورية أو متناسبة لتحقيق هذا الهدف.
ومن هنا ينبغي التمييز بين أربعة مستويات: التبرير التشريعي، والمشروعية القانونية، والمصلحة المحمية، والتعليل القضائي ؛
فالتبرير يجيب عن سؤال لماذا اختير الإجراء؛ والمشروعية تختبر مدى مطابقته للقواعد والمبادئ الحاكمة؛ والمصلحة تحدد الحق أو المنفعة القانونية التي يراد حمايتها؛ أما التعليل القضائي فيبين لماذا صح تطبيق الجزاء في النازلة المعروضة ؛ وإن مختلف هذه المستويات متكاملة، لكنها ليست مترادفة.

ثانياً: الشخص الاعتباري بين العلنية القانونية والهوية الرقمية :

قد يكون المشرع قد انطلق من تصور يعتبر الشخص الاعتباري، بحكم تنظيمه القانوني والمؤسساتي، أكثر قدرة على توفير وسائل اتصال رسمية ومستقرة ؛ فالشركة، مثلاً، تتوفر على اسم ومقر اجتماعي وممثل قانوني وبيانات تسجيل، ويمكن أن تتوفر على عنوان إلكتروني مؤسسي ؛ غير أنه ينبغي التمييز بين قابلية الشخص الاعتباري للخضوع لالتزام بالإفصاح عن بياناته، وبين إلزام خصمه بالحصول على تلك البيانات ؛ فإذا كانت الغاية إنشاء هوية رقمية قانونية للأشخاص الاعتباريين، فإن المسؤولية الأصلية عن التصريح بعنوان إلكتروني معتمد وتحيينه ينبغي أن تقع على الشخص الاعتباري نفسه، في إطار منظومة مؤسساتية تتيح الاطلاع على البيانات وفق القانون .
أما نقل عبء هذه المسؤولية إلى المدعي، وترتيب عدم قبول دعواه على تعذر الحصول على معلومة تخص خصمه، فيثير إشكالاً يتعلق بعدالة توزيع الأعباء الإجرائية ؛ ذلك أن التكليف الإجرائي ينبغي أن يراعي قدرة المخاطب به على تنفيذه، وأن يميز بين المعلومات الموجودة تحت سيطرته، والمعلومات التي يتوقف الحصول عليها على إرادة الغير أو على وجود آليات رسمية لإتاحتها.

ثالثاً: بين الإعلام والتبليغ القضائي: اختلاف الطبيعة والوظيفة والآثار :

تقتضي مساءلة حكمة المشرع من سن المادة 77 التمييز بين الإعلام (Information)، والعلم الفعلي أو اليقيني، والتبليغ القضائي (Notification) ؛ فالإعلام يرمي إلى نقل معلومة أو إتاحتها للمعني، بينما يشكل العلم الفعلي حالة معرفية تثبت اطلاعه على مضمون معين.
أما التبليغ القضائي فهو إجراء قانوني منظم، لا يقتصر على تحقيق المعرفة، وإنما يرتب آثاراً إجرائية وفق شروط تتعلق بوسيلة التبليغ وصفة المتسلم وإثبات التسليم وتاريخه ؛ ومن ثم، فليس كل إعلام تبليغاً، ولا يؤدي العلم الفعلي، بمجرده، وظيفة التبليغ القانوني ؛ وفي العمل القضائي المغربي، يظل الأصل هو الاعتداد بالتبليغ المستوفي لشروطه القانونية، دون الاكتفاء بالعلم الفعلي أو اليقيني بوجود الدعوى. وتبرز خصوصية نظرية العلم اليقيني في بعض منازعات القضاء الإداري، ولا سيما في مجال العلم بالقرارات الإدارية وآجال الطعن فيها، وفق الضوابط التي تحكمها.
وهذا التمييز ليس لغوياً أو تقنياً فحسب، بل يتعلق بالأمن القضائي وضمان حقوق الدفاع ؛ فالبريد الإلكتروني الذي تستعمله شركة للتواصل التجاري لا يصبح بالضرورة عنواناً معتمداً لأجل التبليغات القضائية ؛ كما أن إرسال رسالة إلكترونية إليه لا يكفي، في ذاته، لإثبات صحة التبليغ وترتيب آثاره.
وهنا تظهر مفارقة المادة 77: قد يُطلب من المدعي الإدلاء ببريد إلكتروني لخصمه تحت طائلة عدم القبول، مع أن مجرد الإدلاء بذلك البريد لا يثبت صلاحيته القانونية للتبليغ ؛ وهنا قد يتم الإدلاء بأي عنوان الكتروني كذا ، فهل سينشغل القاضي منهمكا في فحص مدى صحة نسبة هذا البريد للمدعى عليه !!
وهل المقصود من الاشتراط مجرد الإعلام والتواصل، أم إرساء وسيلة رسمية للتبليغ؟
إذا كانت الغاية إعلامية وتنظيمية، فإن جزاء عدم القبول يحتاج إلى تبرير مستقل من زاوية التناسب ؛ وإذا كانت الغاية تبليغية، فإن تحقيقها يستلزم نظاماً قانونياً للتحقق من العنوان واعتماده وإثبات التوصل عبره.

رابعاً: القراءة النسقية للمواد 77 و81 و84 و86 من ق م م :

تسمح المقارنة الداخلية بين هذه المواد بتجاوز الافتراضات المتعلقة بحكمة المشرع، والانتقال إلى اختبار الاتساق التشريعي.
فالمادة 77 تنظم بيانات المقال الافتتاحي، وتدرج البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري ضمن البيانات المشمولة بعبارة «تحت طائلة عدم القبول».
أما المادة 81، المتعلقة بمضمون الاستدعاء، فتحدد بياناته، ومنها هوية الأطراف وموطنهم أو محل إقامتهم، دون إدراج البريد الإلكتروني ضمن البيانات الواردة في النص المعروض.
وتنظم المادة 84 كيفية تسليم الاستدعاء، وتجيز التبليغ الصحيح للأشخاص الاعتبارية، بحسب طبيعتها القانونية، إلى ممثليها القانونيين أو من يقوم مقامهم، أو بمقراتها أو مكاتب الضبط لديها، وفق الحالات والشروط المحددة فيها.
أما المادة 86، فتتدخل عند تعذر التبليغ وتبين أن المدعى عليه مجهول بالعنوان الوارد بالاستدعاء أو انتقل منه، حيث تقرر اعتماد المعلومات المتوفرة بقاعدة المعطيات المتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، وترتب على الاستدعاء الموجه إلى العنوان المستخرج وفق شروطها آثار التوصل القانوني.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة 86 لا تنظم، في ذاتها، مسطرة للتبليغ بالبريد الإلكتروني، بل آلية احتياطية لمعالجة حالات محددة من تعذر التبليغ.
وهكذا يتضح أن المشرع ميز بين تحديد هوية الخصوم عند رفع الدعوى، وبين إجراءات استدعائهم، وبين معالجة بعض حالات تعذر التبليغ. وهنا وجب التركيز بأن المادة 84، بحسب مضمونها المعروض لا تشترط ، الإدلاء بالبريد الإلكتروني لصحة التبليغ المنظم فيها.

ومن ثم، فإن غياب البريد الإلكتروني لا يعني بالضرورة تعذر التبليغ، ولا يثبت بذاته المساس بحقوق الدفاع. وقد تبرز هنا المفارقة المركزية: كيف يصبح بيان لا يتوقف عليه، في ذاته، التبليغ القانوني وفق المادة 84، سبباً محتملاً لعدم قبول الدعوى قبل الوصول إلى مرحلة اختبار إمكانية تبليغ المدعى عليه؟ إن هذا السؤال لا يلغي إلزامية النص، لكنه يفرض البحث عن غاية أخرى للاشتراط، وعن مدى تناسب الجزاء معها.

خامساً: الفصل 49 السابق ومقاصدية الجزاءات الإجرائية :

فرغم النسخ فإنه على القاضي ألا يفقد روح المساطر المرتبطة بالنظام العام والمصلحة المشروعة ؛ ولذلك يكتسب الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 أهمية خاصة في تأصيل فلسفة الشكل والجزاء ؛ فقد نظم توقيت إثارة مجموعة من الدفوع، ونص في فقرته الثانية، بالنسبة إلى حالات البطلان والإخلالات الشكلية والمسطرية المشمولة بحكمه، على عدم قبولها إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلاً.
وهنا يقتضي الانضباط القانوني عدم تعميم شرط الضرر على كل الدفوع بعدم القبول، لأن الفصل ميز بين تنظيم توقيت إثارة الدفوع وبين اشتراط الضرر الفعلي في نطاق محدد ؛ غير أن هذا التمييز لا يلغي القيمة الفلسفية والتشريعية للفصل 49 ق م م ، باعتباره تجسيداً لفكرة أن الجزاءات الشكلية ينبغي ألا تنفصل عن الوظيفة الحمائية للإجراءات.
فهنا تتقاطع هذه الفلسفة مع المقاصد العامة للتشريع القائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومنع العبث في الخصومات ؛ غير أن قاعدة «لا دفع دون مصلحة» لا ينبغي أن تختزل في ضرورة إثبات ضرر مادي في جميع الحالات، لأن المصلحة قد تكون قانونية أو إجرائية، ولأن بعض المقتضيات تتعلق بالنظام العام أو تخضع لجزاءات خاصة.
والتمييز الحاسم هنا هو بين المصلحة القانونية التي شُرع الإجراء لحمايتها، والمنفعة التي قد يجنيها الخصم من التمسك بجزائه.
فقد يستفيد المدعى عليه من الحكم بعدم قبول الدعوى، دون أن تكون مصالحه الإجرائية قد تضررت فعلاً من عدم إدلاء المدعي ببريده الإلكتروني ، فلماذا ” ينعم “بهذا الامتياز مجانا ؟
وبذلك لا يصبح السؤال: هل حقق الدفع منفعة للمدعى عليه؟
بل: هل يحمي إعمال الجزاء المصلحة التي قصد المشرع صيانتها، وهل يتناسب مع طبيعة الإخلال وآثاره؟

سادساً: من وجود السند القانوني إلى مشروعية التطبيق والتعليل القضائي :

ينبغي التمييز بين النص الذي يقرر الجزاء، والحكم الذي يطبقه.
فوجود عبارة «تحت طائلة عدم القبول» لا يعفي المحكمة من تحديد نطاقها، والتحقق من شروط تطبيقها، ومناقشة الدفوع الجوهرية المثارة بشأنها.
وفي المادة 77 يثور، ابتداءً، سؤال تأويلي يتعلق بما إذا كانت البيانات الخاصة بالشخص الاعتباري تشمل المدعي والمدعى عليه معاً، أم يمكن حملها، بالنظر إلى السياق التشريعي، على الشخص الاعتباري المدعي وحده.
ولا يجوز حسم هذا الخلاف بمجرد افتراض وضوح النص، كما لا يجوز اعتماد التأويل المقيد دون مواجهة الصياغة العامة المحتملة ؛ وحتى على فرض شمول المدعى عليه، يظل من الضروري التمييز بين إغفال بيان متاح، والتعذر الموضوعي في الحصول على معلومة تخص الخصم.
كما ينبغي فحص مقتضيات الإنذار باستدراك البيانات الناقصة، وحدود فاعلية هذا الإنذار عندما يكون الاستدراك متعذراً لأسباب لا ترجع إلى المدعي.
فالتعليل القضائي لا يتحقق بمجرد تكرار النص، وإنما يقتضي بيان الوقائع والشروط القانونية التي تبرر تطبيق الجزاء في الحالة المعروضة.
وهنا نستعيد التمييز بين التبرير والمشروعية والتعليل ؛ فقد يكون اشتراط البريد الإلكتروني مبرراً بتحديث العدالة، لكن ذلك لا يحسم مشروعية الجزاء في جميع الحالات، كما لا يجعل كل حكم بعدم القبول معللاً لمجرد استناده إلى المادة 77 ق م م ؛
وإن القاضي ملزم بتطبيق القانون، لكنه ملزم أيضاً بتفسيره أولا ، وتعليل تطبيقه في ضوء بنيته ومبادئه والضمانات الدستورية ذات الصلة، دون أن يتحول التأويل إلى تعطيل لجزاء تشريعي صريح.

سابعاً اختبار التناسب بين الحق في التقاضي وضرورات الرقمنة:

يضمن الفصل 118 من الدستور حق التقاضي دفاعاً عن الحقوق والمصالح التي يحميها القانون ، دون أن يعني ذلك أن المشرع ممنوع من تنظيم شروط ممارسة هذا الحق، لكنه يقتضي ألا تتحول الشروط الإجرائية إلى قيود غير متناسبة مع الغايات المشروعة التي تسعى إلى تحقيقها ؛ من منظور نظرية المبادئ عند روبرت أليكسي، يمكن اختبار اشتراط البريد الإلكتروني عبر الملاءمة والضرورة والتناسب.
فاشتراط وسيلة إلكترونية للتواصل قد يكون ملائماً لتحديث الإجراءات ؛ لكن اختبار الضرورة يفرض التساؤل عما إذا كان بالإمكان تحقيق الغاية بوسائل أقل تقييداً للحق في التقاضي، مثل اعتماد سجل رسمي للعناوين الإلكترونية للأشخاص المعنوية والاعتبارية، أو إتاحة التحقق القضائي منها، أو السماح باستدراك البيان متى كان الحصول عليه ممكناً ؛ أما اختبار التناسب، يوجب ويقتضي مقارنة المنفعة المتوقعة من استكمال البيان بالضرر الناتج عن عدم قبول دعوى يمكن فيها تحديد المدعى عليه وتبليغه قانوناً.
ومن منظور رونالد دوركين، لا ينبغي أن تتحول اعتبارات النجاعة الإدارية إلى مبرر كافٍ لتقييد حق أساسي دون تسويغ قانوني ومبدئي متماسك ؛ أما التفكير النسقي، فيكشف أن الرقمنة لا تتحقق بمجرد إضافة بيانات إلزامية إلى المقالات القضائية، بل تستلزم بناء آليات اقتران موثوقة بين النظام القضائي والأنظمة الإدارية والتجارية والمعلوماتية ، فلا يجوز افتراض وجود المعلومات وإمكان الوصول إليها، ثم ترتيب جزاء على عدم تقديمها، دون فحص الشروط القانونية والمؤسساتية لإتاحتها.

ثامناً: اختبار الفرضيات بدل تحصين المواقف :

يقتضي التفكير النقدي، وفق منهج التفنيد عند كارل بوبر، إخضاع فرضياتنا وفرضيات المدافعين عن الاختيار التشريعي للاختبار نفسه ؛ فإذا افترضنا أن البريد الإلكتروني اشترط لضمان التبليغ، وجب اختبار هذه الفرضية في ضوء المادة 84، التي تنظم وسائل للتبليغ دون جعله شرطاً لازماً لها.
وإذا افترضنا أن الغاية مكافحة المناورات الإجرائية، وجب بيان كيف يمنع إدراج بريد إلكتروني غير موثق تلك المناورات.
وإذا افترضنا أن الغاية تحديث الهوية الرقمية للشخص الاعتباري، وجب تفسير سبب تحميل المدعي مسؤولية تقديم عنوان يخص خصمه ولا يحوزه لا واقعا ولا افتراضا !!!
وفي المقابل، فإن فرضيتنا النقدية، التي ترى احتمال عدم التناسب في جزاء عدم القبول، لا ينبغي تحصينها من المراجعة ؛
فقد تكشف الأعمال التحضيرية أو مقتضيات قانونية أخرى عن وظيفة مستقلة للبريد الإلكتروني لم تتضح بعد من النصوص المقارنة ؛ كما قد يثبت التطبيق القضائي إمكان تأويل المادة 77 بصورة تحقق الغاية التنظيمية دون التضحية بحق التقاضي.
وبذلك يصبح المطلوب يقيناً قانونياً نسبياً ومبرراً، لا حكماً نهائياً يستبق البحث.

تاسعاً: من نقد الاختلال إلى اقتراح البديل :

لا يكفي نقد المادة 77، بل ينبغي تحويل هذا النقد إلى اقتراحات تشريعية وقضائية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ ؛ فعلى المستوى التشريعي، يقتضي الأمر توضيح نطاق البيانات الخاصة بالشخص الاعتباري، والتمييز بين البيانات التي يتعين على المدعي تقديمها، وتلك التي تخص المدعى عليه ولا يمكن إلزام خصمه بتوفيرها إلا إذا كانت متاحة قانوناً وعموميا بصورة موثوقة.
كما ينبغي التمييز بين البريد الإلكتروني باعتباره وسيلة للتواصل، والعنوان الإلكتروني المعتمد للتبليغ القضائي، وتحديد شروط اعتماد هذا الأخير وإثبات التوصل عبره. وعلى سبيل المثال لا الحصر ، يتوفر أغلبنا على كثير من عناوين البريد الالكتروني ، يتم تعديله واستبدالها حسب الظروف وشركة الاتصالات والخدمات البريدية ثم وخاصة بسبب الإمتلاء للعلب مع صعوبة التفريط في الأرشيف والمراسلات المهمة !
وعلى المستوى المؤسساتي، يمكن إرساء آلية رسمية لتسجيل العناوين الإلكترونية المعتمدة للأشخاص الاعتبارية وتحيينها وإتاحتها للجهات القضائية وفق ضمانات حماية المعطيات.
أما على المستوى القضائي، فإن الحاجة قائمة إلى مأسسة الفهم التشاركي للنصوص المسطرية الجديدة بين القضاء والمحاماة، بما يسمح بمناقشة صعوبات التطبيق وتوحيد التأويلات المنسجمة مع حقوق الدفاع والحق في التقاضي، في حدود ما تسمح به النصوص القانونية ؛ ويمكن أن يشكل تتبع الأحكام الصادرة بعدم القبول بسبب نقص بيانات البريد الإلكتروني مجالاً عملياً لتقييم الأثر التشريعي، بشرط فحص تعليلاتها ووقائعها وعدم الاكتفاء بتداول نتائجها.

خاتمة: نحو حكامة للمشروعية الإجرائية :

تكشف المقارنة بين المواد 77 و81 و84 و86 ق م م أن الإشكال لا يتعلق بمجرد إضافة بيان إلكتروني إلى المقال الافتتاحي، وإنما بالعلاقة بين وظيفة البيان وموقعه في المسطرة والجزاء المترتب على إغفاله ؛ فإذا كان الإعلام غير مطابق للتبليغ، وكان العلم الفعلي لا يقوم، من حيث الأصل، مقام التبليغ القضائي الصحيح، وكانت المادة 84 تتيح تبليغ الشخص الاعتباري دون اشتراط بريده الإلكتروني، فإن ترتيب عدم قبول الدعوى على غياب هذا البريد يستوجب تبريراً تشريعياً يتجاوز مجرد الدعوة إلى الرقمنة.
كما أن فلسفة الفصل 49 السابق تدعونا إلى استحضار العلاقة بين الشكليات والمصالح التي تحميها، دون الخلط بين الدفع بالبطلان والدفع بعدم القبول، أو تعميم شرط الضرر خارج نطاقه القانوني.
إن الحكمة التشريعية لا تُقاس فقط بنبل الغاية المعلنة، بل بمدى عقلانية الوسيلة وتناسب الجزاء واتساق النصوص وآثارها على الحقوق ؛ ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الرقمنة والحق في التقاضي، وإنما بناء رقمنة تعزز هذا الحق وتوسع الاقتدار على ممارسته.
فليس كل إعلام تبليغاً، وليس كل نقص في بيانات التواصل إخلالاً بضمانات التبليغ، وليست كل منفعة إجرائية مصلحة قانونية محمية، كما أن كل جزاء منصوص عليه يظل محتاجاً إلى تحديد نطاقه وشروط تطبيقه وتعليله.
وهكذا ننتقل من مجرد شرعية وجود الإجراء في النص إلى سؤال مشروعية آثاره في الواقع، ومن التبرير الشكلي إلى التعليل القضائي، ومن رقمنة البيانات إلى حكامة الحقوق.
فالعدالة لا تتحقق باستيفاء الإجراءات لذاتها، وإنما بقدرتها على حماية الحقوق التي وضعت من أجلها، دون إخلال بالأمن القانوني أو ضمانات الخصومة.

مصطفى المنوزي
محام بهيئة الدارالبيضاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى