اخرى

أنثروبولوجيا الجسد في الفن الكلاسيكي: رؤية جمالية أم نزعة عنصرية؟

يتفق المتأملون في المعالم التاريخية لمدن روما وفلورنسا بإيطاليا، وبرلين وميونيخ بألمانيا، وباريس بفرنسا، ولندن بإنجلترا، وبودابست بالمجر، وغيرها من المدن الأوروبية العريقة، أنها توليفة من المدن التي تكاد تختلف أحيانا اختلافاً جذرياً، من حيث الفضاء والتنظيم الاجتماعي والنسق الجمالي العام.

لكن خيطها الناظم الاهتمام البالغ بالفنون، على الأخص بالنحت، هذا الفن الذي بلغ ذروة مجده خلال العصر الكلاسيكي. ولعل ولع الإيطاليين شكل علامة فارقة في مساره، منذ الإغريق. ولعل سمته البارزة تناوله موضوعات معينة بجرأة ودقة، الجسد الإنساني العاري أهمها.

1. مفارقة الجسد الرياضي والعضو الضئيل

وفي كل مرة نطالع إحدى هذه المنحوتات الرائعة، كالتي توجد في قصر نيمبفنبيرغ بمقاطعة بافاريا، معقل لودفيغ الثاني ملك بافاريا الشهير، فإن سؤالاً وجيهاً يلح علينا بشكل فوري: لِمَ يُصِرُّ كل النحاتين تقريباً – وهذا تفصيل مشترك – على إظهار قضيب تمثال الرجل الأوروبي بشكل صغير جداً، مقارنة مع جسده الرياضي الضخم، المفتول العضلات؟!

تتعدد التفاسير والقراءات؛ بين مرجئ ذلك للحشمة، وبين من يعتبرها خدعة بصرية تروم لفت الانتباه أكثر لهذا الجزء ما دام متوارياً جداً، باعتباره أول ما يحاول الناظر استجلاء تصور النحات له. بينما تذهب بعض الأبحاث التاريخية إلى أن الأمر يتعلق ببعض من تاريخ العنصرية الجنسية، الذي يضرب بجذوره في تاريخ أوروبا الفنّي حتى خلال فترات ازدهاره. ما يجعل السؤال البيزنطي: هل العنصرية فطرية فينا؟ يفرض نفسه مجدداً.

2. من الجمالية اليونانية إلى التبرير العنصري:

يبرر البعض هذا الإشكال بدوافع فنية وبصرية كما أسلفنا، لكن بالرجوع إلى أغلبية النقاد، ندرك أن القضيب الكبير كان حسب هؤلاء النحاتين – شأنهم في ذلك شأن الكنيسة ومن ثم عموم الرعايا – ينقص من قيمة صاحبه، وكان دليلاً على همجية الأجناس السمراء وتخلفها، والتي لطالما اعتبرها الإنسان الأبيض – وما يزال – أجناساً أدنى من البشر، وأقل ذكاءً وأكثر بربرية.

وتربط المؤرخة الفنية إلين أوريدسون¹ هذه العادة الفنية بالثقافة الإغريقية القديمة، إذ ترى أن الأعضاء الجنسية الكبيرة كانت في اليونان القديمة رمزاً للغباء والقبح، وأن صغر القضيب كان يوحي بعقلانية صاحبه وثقافته وسعة اطلاعه، لأن الرجل ذا العضو الصغير يُفترض أنه أقل ميلاً لاستعماله والانشغال به ونزولته، فيستعمل عقله بدلاً عنه، فيصبح بذلك أكثر تحضرا وثقافة². ولم تكن تلك النزعة مجرد تفصيل تشريحي عابر، بل تحولت في العصرين الكلاسيكي والفيكتوري إلى عقيدة بصرية تبرّر أحيانا الحركة الاستعمارية؛ حيث وظف الأوروبيون هذا الإرث الفني لوسم الآخر المحتلّ بالشهوانية المفرطة وغياب التحضر، مستحضرين نماذج أسطورية بربرية مثل الساتير لتصوير مجتمعات المستعمرات في مجرد شعوب غريزية تفتقر للحكمة والتفوق الأبيض.

وقد أظهر فرانتز فانون³ كيف أن هذا التمثيل البصري للجسد الأسود بوصفه غريزياً وشبقياً ومتفلتا، قد امتد إلى الفنون والآداب الأخرى في الحقبة الاستعمارية بما في ذلك الأدب والمسرح.

3.الامتدادات الفيكتورية والاستشراقية:

واصل هذا التوظيف الأيديولوجي للفنون الظهور لاحقاً مع الحركات الاستشراقية وبورتريهات العصر الفيكتوري، حيث انضم إزميل النحاتين إلى بروباغندا التوسع من أجل خلق صور نمطية تختزل الإنسان الإفريقي واللاتيني والشرقي عامة، في وضعيات خنوع أو بدائية غارقة في اللذات والكسل والغباء، رغبة في منح الاستعمار غطاء أخلاقيا تغلف مهمة تمدين كاذبة يقودها عقل الأبيض العقلاني الواعي المثقف.

4. المركزية الأوروبية والنموذج الأخلاقي الراهن:

إن التجاوزات السياسية والأخلاقية والاجتماعية والفنية الراهنة التي يجترئ عليها الغرب، تحت ذريعة ذر بذور الحضارة، ما هي سوى امتدادات لعقلية إقصائية يرى الإنسان الأبيض من خلالها، أن عقله الوحيد الذي يحوز الأهلية للإبداع والتفكير، والعقول الأخرى إنما تدور في فلكه؛ إنسان يظن أن نموذجه الأخلاقي الذي أثبت هشاشته عبر أزمات اجتماعية تزداد يوما بعد يوم، على مستوى الأفراد والأسر والأنساق الفكرية والاجتماعية، هو النموذج الوحيد الممكن.

أجدور عبد اللطيف

—

الهوامش:

١. إلين أوريدسون (Ellen Oredsson): مؤرخة فنية وكاتبة، ساهمت في موقع Art History Teaching Resources، وأمينة معرض Rock Around Asia ببانكوك.

٢. اقتباس عن: كينيث دوفر (Kenneth Dover)، Greek Homosexuality، مطبعة جامعة هارفارد، 1978.

٣. فرانتز فانون (Frantz Fanon)، بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (Peau noire, masques blancs)، دار سوي، 1952.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى