متابعة سعيد حمان
أعاد الفنان والمخرج السينمائي هشام العسري فتح النقاش حول واقع الإنتاج التلفزيوني بالمغرب، مسلطاً الضوء على الإشكالات التي تحيط بعلاقة المبدع بمنظومة الإنتاج، وما يرافقها من تساؤلات بشأن موقع الفنان داخل صناعة يفترض أن تمنحه مساحة أوسع للتعبير والابتكار.
ويأتي هذا النقاش في سياق يتجدد فيه الجدل حول جودة الأعمال التلفزيونية المغربية، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، والاستجابة لتطلعات جمهور بات أكثر انفتاحاً على تجارب فنية متنوعة، بفضل تعدد المنصات الرقمية وتطور وسائل المشاهدة.
ويُعرف هشام العسري باختياراته الفنية التي تميل إلى التجريب وكسر القوالب التقليدية، سواء في السينما أو في تعامله مع القضايا الثقافية والفنية. ومن هذا المنطلق، تكتسي مواقفه المنتقدة لمنظومة الإنتاج أهمية في إعادة طرح أسئلة مرتبطة بحرية الإبداع، وشروط الاشتغال، ومدى حضور الرؤية الفنية في صناعة القرار الإنتاجي.
فالحديث عن الإنتاج التلفزيوني لا يتعلق فقط بالميزانيات أو عدد الأعمال المنجزة، بل يشمل أيضاً طبيعة الاختيارات الفنية، وآليات انتقاء المشاريع، ومدى الانفتاح على المخرجين والكتاب الذين يقدمون تصورات مختلفة عن السائد. كما يطرح سؤال التوازن بين الاعتبارات التجارية ومتطلبات الجودة، في قطاع يحتاج إلى أعمال قادرة على تحقيق الانتشار دون التفريط في القيمة الفنية والثقافية.
وتبرز، في هذا السياق، أهمية توفير بيئة مهنية تضمن تكافؤ الفرص بين المبدعين، وتعتمد معايير واضحة وشفافة في إسناد المشاريع، مع إيلاء الاعتبار للكفاءة والتجربة والقدرة على تقديم إضافات نوعية. فالإنتاج التلفزيوني الناجح لا يقوم على الإمكانيات المادية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى الثقة في المبدع، وإلى هامش من الحرية يسمح بتطوير الأفكار وتحويلها إلى أعمال تحترم ذكاء المشاهد.
كما أن تطوير الدراما المغربية يظل رهيناً بفتح نقاش جدي بين مختلف المتدخلين، من فنانين ومخرجين وكتاب سيناريو ومنتجين ومؤسسات معنية، بهدف تشخيص مكامن الخلل وتحديد المسؤوليات، بعيداً عن الشخصنة أو اختزال الأزمة في طرف واحد.
إن الانتقادات التي يوجهها بعض المبدعين إلى منظومة الإنتاج تستدعي التعامل معها باعتبارها فرصة لطرح الأسئلة الضرورية حول مستقبل الصناعة السمعية البصرية بالمغرب، مع ضرورة التمييز بين المواقف المعلنة والوقائع التي تحتاج إلى توضيح وتوثيق.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأساسي هو بناء منظومة إنتاج قادرة على احتضان التجارب المختلفة، وتثمين الكفاءات الوطنية، وتحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحرية التعبير الفني. فحين يشعر الفنان بأن صوته ورؤيته لا يجدان المكان المناسب داخل المجال الذي ينتمي إليه، يصبح النقاش حول شروط الإبداع وجودة الإنتاج ضرورة مهنية وثقافية، لا مجرد خلاف عابر.