تنوير | متابعة
أثارت الزيارة الرسمية التي قام بها الفريق أول ركن خالد حفتر، رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، إلى المغرب خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 15 أكتوبر 2026، نقاشاً سياسياً حول دلالات التقارب المغربي مع المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا، وما إذا كانت هذه الخطوة تؤشر على تحول في مقاربة الرباط للملف الليبي، أم تندرج ضمن سياسة الانفتاح على مختلف الأطراف الفاعلة في هذا البلد المغاربي.
وكان الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، قد استقبل خالد حفتر بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية بالرباط، في إطار زيارة عمل شملت أيضاً ضريح محمد الخامس، ومباحثات بشأن التعاون العسكري وتبادل الخبرات.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية سياسية واستراتيجية بالنظر إلى الموقع الذي تحتله عائلة حفتر في المشهد الليبي، حيث تسيطر القوات التابعة للمشير خليفة حفتر على مناطق واسعة من شرق البلاد وجنوبها، بما في ذلك مناطق ذات أهمية اقتصادية ونفطية، وهو ما يجعلها أحد أبرز مراكز القوة في المعادلة السياسية والعسكرية الليبية.
ويرى متابعون أن الانفتاح المغربي على هذا الطرف يمكن قراءته في سياق رغبة الرباط في توسيع شبكة علاقاتها داخل ليبيا، وعدم حصر اتصالاتها في المؤسسات السياسية الموجودة بالعاصمة طرابلس، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي والعسكري وصعوبة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ومن بين التفسيرات المطروحة لهذا التقارب، البعد الجيوسياسي المرتبط بالتوازنات الإقليمية والدولية، ولا سيما العلاقات التي تربط قوات حفتر بروسيا، والدور الذي تؤديه موسكو في المشهد الليبي. غير أن الربط بين الزيارة المغربية وأي تغيير محتمل في الموقف الروسي من قضية الصحراء يظل فرضية سياسية لا تسندها، حتى الآن، معطيات رسمية تثبت وجود تفاهم بهذا الخصوص.
كما يبرز العامل الجزائري ضمن القراءات المحتملة لهذه الخطوة، بالنظر إلى التنافس الإقليمي بين الرباط والجزائر واختلاف علاقات البلدين بمراكز النفوذ داخل ليبيا. وقد يسعى المغرب، من خلال توسيع اتصالاته مع شرق ليبيا، إلى تعزيز حضوره الدبلوماسي والأمني في المنطقة المغاربية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني سياسة مواجهة مع الجزائر على الأراضي الليبية.
ويحضر البعد الاقتصادي بدوره ضمن الحسابات المحتملة، إذ تمثل إعادة إعمار ليبيا مستقبلاً مجالاً واسعاً للاستثمار والتعاون، خاصة بالنسبة إلى الشركات المغربية العاملة في البناء والأشغال العمومية والبنيات التحتية والخدمات. ومن شأن تطوير العلاقات مع مختلف الأطراف الليبية أن يوفر فرصاً إضافية للشراكات الاقتصادية، رهناً باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية.
وتطرح الزيارة أيضاً تساؤلات بشأن مستقبل علاقات المغرب مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، في ظل تداول قراءات تربط التقارب مع حفتر بمواقف بعض الأطراف الليبية من قضية الصحراء المغربية. غير أن هذه التفسيرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار مغربي بالتخلي عن التواصل مع سلطات غرب ليبيا.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال الدور الدبلوماسي الذي اضطلع به المغرب في مسار التسوية الليبية، منذ احتضانه اتفاق الصخيرات سنة 2015، وصولاً إلى جولات الحوار السياسي التي استضافتها بوزنيقة. وقد ارتكزت المقاربة المغربية المعلنة على دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها، وتشجيع التوافق بين مكوناتها المختلفة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى استقبال خالد حفتر بوصفه خطوة نحو تعزيز التواصل العسكري مع أحد أبرز الفاعلين الليبيين، من دون الجزم بأنها إعلان عن اصطفاف مغربي نهائي إلى جانب معسكر الشرق في مواجهة سلطات طرابلس.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الرباط بصدد إعادة ترتيب أولوياتها داخل المشهد الليبي، عبر منح العلاقات مع شرق البلاد وزناً أكبر، أم أنها تسعى إلى توسيع قنوات التواصل بما يعزز قدرتها على أداء دور في جهود التسوية المستقبلية.
وفي انتظار مؤشرات دبلوماسية أكثر وضوحاً، تؤكد زيارة خالد حفتر أن المغرب يواصل الاهتمام بالتطورات الليبية، في منطقة مغاربية تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي والمصالح الاقتصادية، بينما يظل نجاح أي مقاربة مرتبطاً بقدرتها على المساهمة في استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها.