وجه الائتلاف المدني من أجل الجبل مذكرة مطلبية إلى رئيسة الحكومة وأعضاء حكومتها ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين، إلى جانب رؤساء الفرق والمجموعات النيابية وكافة البرلمانيين، دعا من خلالها إلى جعل إنصاف المناطق الجبلية أولوية وطنية ضمن البرنامج الحكومي الجديد ومشروع قانون المالية لسنة 2027، مع إقرار قانون خاص بهذه المناطق وإطلاق سياسة عمومية مندمجة تستجيب لانتظارات ساكنتها.
وأكد الائتلاف، في مذكرته الصادرة من مدينة بولمان بتاريخ 18 أكتوبر 2026، والموقعة من طرف رئيسه محمد الديش، أن المرحلة السياسية والمؤسساتية الجديدة تشكل فرصة لإعادة الاعتبار للمجالات الجبلية، ومعالجة الاختلالات التنموية والمجالية التي تعاني منها، مشددا على أن إنصاف الجبل لا ينبغي أن يظل مجرد مطلب اجتماعي، بل يتعين أن يتحول إلى التزام حكومي وتشريعي واضح، مقرون بآليات التمويل والتنفيذ والتقييم.
واعتبر الائتلاف أن المناطق الجبلية، رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية ومائية وغابوية ومعدنية، فضلا عن تنوعها البيولوجي ورصيدها الثقافي، لا تزال تواجه إكراهات مرتبطة بصعوبة التضاريس والعزلة وارتفاع كلفة توفير الخدمات العمومية، وهو ما يستدعي، بحسب المذكرة، اعتماد تمييز مجالي إيجابي يضمن توزيعا أكثر إنصافا للاستثمارات والموارد العمومية.
وفي مقدمة مطالبه، دعا الائتلاف إلى التعجيل بإخراج قانون خاص بالمناطق الجبلية، يعترف بخصوصياتها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ويحدد مسؤوليات الدولة والجماعات الترابية تجاه تنميتها، مع معالجة الإشكالات العقارية المرتبطة بأراضي الجموع والملك الغابوي والتحفيظ العقاري، التي اعتبرها من أبرز العوائق أمام الاستثمار المحلي والاستقرار السكاني.
وفي هذا الإطار، أعلن الائتلاف وضع مقترح قانون خاص بالمناطق الجبلية رهن إشارة الحكومة والبرلمان، داعيا إلى فتح مشاورات بشأنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الولاية، تمهيدا للمصادقة عليه خلال السنة الأولى.
كما طالب بإحداث آلية وطنية دائمة لتنسيق السياسات العمومية الموجهة للمناطق الجبلية، تتوفر على الصلاحيات والموارد البشرية والمالية اللازمة، إلى جانب إعداد خطة وطنية مندمجة لتنمية هذه المناطق خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2032، تقوم على برامج ترابية واضحة وممولة، مع تحديد المسؤوليات والآجال ومؤشرات الإنجاز.
وعلى المستوى المالي، شدد الائتلاف على ضرورة إحداث صندوق خاص أو آلية تمويل متعددة السنوات لفائدة المناطق الجبلية، واعتماد معايير تفضيلية في توزيع الاستثمارات العمومية، مع إدراج بيان عرضاني خاص بالمناطق الجبلية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، يحدد الاعتمادات المالية المرصودة والنتائج المنتظرة من مختلف التدخلات الحكومية.
وفي الشق الاجتماعي، دعت المذكرة إلى إطلاق برنامج استعجالي لفك العزلة عن المناطق الجبلية الأكثر خصاصا، من خلال تحسين البنيات التحتية الطرقية وضمان استمرارية التزود بالماء الصالح للشرب، وتعزيز خدمات الاتصال والربط الرقمي.
كما طالبت بتأهيل المراكز الصحية وتوفير الأطر الطبية القارة عبر تحفيزات تراعي خصوصيات المناطق الجبلية، إلى جانب تطوير خدمات النقل الطبي الاستعجالي، وتحسين ظروف التمدرس عبر دعم الداخليات والنقل المدرسي والمدارس الجماعاتية، مع إيلاء عناية خاصة لمحاربة الهدر المدرسي، لاسيما في صفوف الفتيات.
وفي الجانب الاقتصادي، دعا الائتلاف إلى دعم الفلاحة الجبلية المستدامة والتعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتشجيع السياحة البيئية والصناعات التقليدية والتحويلية، بما يساهم في خلق فرص شغل محلية والحد من الهجرة القروية.
وطالب كذلك بوضع قواعد عادلة لتقاسم عائدات استغلال الموارد الطبيعية، بما فيها المياه والغابات والمناجم والمقالع والأنشطة السياحية، مع إلزام الشركات المستفيدة من هذه الثروات بتحمل مسؤولياتها الاجتماعية والبيئية، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل المحلي وحماية الموارد الطبيعية وإعادة تأهيل المواقع المستغلة.
وفي ما يتعلق بالمخاطر الطبيعية، شددت المذكرة على أهمية الاستفادة من دروس زلزال الحوز، من خلال اعتماد استراتيجية متكاملة لإدارة المخاطر التي تهدد المناطق الجبلية، بما فيها الزلازل والفيضانات والجفاف والحرائق والانجرافات والعزلة الناتجة عن التساقطات الثلجية، مع تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز معايير البناء المقاوم للزلازل.
ولم تغفل المذكرة البعد الثقافي والبيئي، حيث دعت إلى صون التراث الجبلي المادي واللامادي، وحماية اللغات والثقافات المحلية، وفي مقدمتها الأمازيغية، مع تشجيع البحث العلمي المتخصص في التحولات المجالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المناطق الجبلية.
كما أكد الائتلاف ضرورة إشراك الساكنة المحلية وجمعيات المجتمع المدني، خصوصا النساء والشباب، في إعداد البرامج التنموية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها، مع إرساء آليات للشفافية والمساءلة ونشر المعطيات المتعلقة بالاستثمارات العمومية الموجهة لهذه المناطق.
واقترحت المذكرة خارطة طريق لتنفيذ هذه المطالب، تبدأ بإدراج التزامات واضحة ضمن البرنامج الحكومي، وتعيين جهة وطنية للتنسيق خلال المائة يوم الأولى، وتخصيص اعتمادات مالية للتدخلات الاستعجالية ضمن ميزانية 2027، فضلا عن إعداد تشخيص مرجعي لاحتياجات المناطق الجبلية خلال الأشهر الستة الأولى، والمصادقة على قانون الجبل والخطة الوطنية المندمجة خلال السنة الأولى من الولاية.
وفي ختام مذكرته، جدد الائتلاف المدني من أجل الجبل استعداده للمساهمة في الحوار المؤسساتي وصياغة المقترحات التشريعية وتتبع تنفيذ السياسات العمومية، معربا عن أمله في أن تتفاعل الحكومة والبرلمان مع مطالبه من خلال التزامات واضحة ومحددة زمنيا.
وشدد الائتلاف على أن ما تنتظره ساكنة المناطق الجبلية ليس مجرد إعلان نوايا، بل إجراءات ملموسة تضمن الحق في العلاج والتعليم والماء والتنقل الآمن والعمل اللائق، وتحافظ على الموارد الطبيعية والخصوصيات الثقافية لهذه المجالات، مع تمكين سكانها من المشاركة الفعلية في القرارات المرتبطة بمستقبل مناطقهم.