وجهة نظر

أخطاء لغوية تحت قبة البرلمان تثير الجدل.. إبراهيم البحراوي يوجه رسالة إلى رئيسة الحكومة دفاعاً عن مكانة اللغة العربية

 تنوير | متابعة

أثار الخطاب الحكومي المقدم أمام البرلمان المغربي نقاشاً حول سلامة استعمال اللغة العربية في الخطابات الرسمية، بعدما وجه الدكتور إبراهيم البحراوي، رئيس المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة اللغة العربية، رسالة مفتوحة إلى رئيسة الحكومة، انتقد فيها ما اعتبره أخطاء لغوية ونحوية شابت أداء التصريح الحكومي، داعياً إلى الارتقاء بمستوى الخطاب المؤسساتي وصيانة مكانة اللغة العربية داخل المؤسسات الدستورية.

وفي رسالة نشرها على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان «في صيانة اللسان العربي واستحضار المسؤولية اللغوية تحت قبة البرلمان»، عبّر البحراوي عن أسفه لما وصفه بالهفوات اللغوية التي ظهرت خلال تقديم البرنامج الحكومي، معتبراً أن الخطاب الرسمي ينبغي أن يعكس مستوى من الدقة اللغوية ينسجم مع رمزية المؤسسة البرلمانية ومكانة المسؤولية الحكومية.

وأكد رئيس المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة اللغة العربية أن رسالته لا تهدف إلى الانتقاص من شخص رئيسة الحكومة أو التشكيك في مكانتها المؤسساتية، وإنما تندرج في إطار النقد البناء والتنبيه إلى ضرورة العناية باللغة العربية في المحافل الرسمية.

وشدد على أن الاحترام الواجب للمسؤولين لا يتعارض مع حق المواطنين والمثقفين في إبداء الملاحظات، معتبراً أن المصارحة والنقد المهذب يشكلان جزءاً من المسؤولية الجماعية في تحسين الأداء المؤسساتي.

وأوضح البحراوي أن اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل تمثل مكوناً أساسياً من مكونات الهوية الوطنية والذاكرة الثقافية والحضارية، فضلاً عن كونها لغة تُصاغ بها القوانين وتُشرح من خلالها السياسات العمومية وتُوجَّه بها الخطابات إلى المواطنين.

واعتبر أن هذه المكانة تستوجب الحرص على سلامة استعمالها، خصوصاً في المؤسسات التي تتولى تمثيل الدولة والتعبير عن توجهاتها وقراراتها أمام الرأي العام.

وانتقد صاحب الرسالة ما وصفه بالتباعد بين الاعتزاز المعلن باللغة العربية في المناسبات الرسمية وبين مستوى العناية الفعلية بها أثناء الاستعمال، متسائلاً عن جدوى الاحتفاء باللغة إذا لم ينعكس ذلك على جودة الخطاب والممارسة اليومية.

وأشار إلى أن بعض الأخطاء اللغوية التي لاحظها لا تتعلق، بحسب تقديره، بقواعد نحوية معقدة أو بتراكيب لا يتقنها إلا المتخصصون، وإنما بمبادئ أساسية يتلقاها المتعلمون خلال المراحل الأولى من دراستهم.

ويرى البحراوي أن الحرص على سلامة العبارة في الخطابات الرسمية لا يمثل مطلباً تعجيزياً، بل يدخل ضمن متطلبات الإعداد الجيد واحترام المؤسسة والجمهور المتلقي، باعتبار أن الدقة في التعبير لا تقل أهمية عن وضوح مضمون الخطاب.

وفي معرض حديثه عن رمزية المؤسسة التشريعية، أكد أن منبر البرلمان يكتسي مكانة خاصة في الحياة السياسية والوطنية، وأن الخطابات التي تلقى داخله لا تقتصر أهميتها على مضمونها السياسي والإجرائي، بل تساهم أيضاً في تشكيل صورة المؤسسات أمام المواطنين.

وأضاف أن المسؤولية المؤسساتية، كلما ارتفعت مكانتها، ازدادت معها ضرورة التثبت والإتقان، مشيراً إلى أن المطلوب ليس محاسبة المتحدث عن كل زلة عارضة، لأن الخطأ يظل أمراً بشرياً، وإنما إرساء ثقافة مؤسساتية تجعل من سلامة اللغة وجودة الأداء معيارين أساسيين في إعداد الخطابات الرسمية وإلقائها.

وربط رئيس المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة اللغة العربية هذه القضية بالمنظومة التربوية، متسائلاً عن مدى انسجام الجهود المبذولة لتعليم التلاميذ قواعد اللغة العربية مع ما يسمعونه من استعمالات لغوية داخل المؤسسات الرسمية.

واعتبر أن المدرسة المغربية تسعى إلى ترسيخ قواعد اللغة وتنمية مهارات التعبير السليم لدى الناشئة، وهو ما يستدعي، في نظره، أن تقدم المؤسسات العمومية نماذج إيجابية تعزز ما يتعلمه الأطفال والشباب داخل الفصول الدراسية.

وفي هذا السياق، طرح تساؤلاً حول كيفية مطالبة المتعلم بإتقان لغته، والمدرس بصون قواعدها، في الوقت الذي لا تحظى فيه السلامة اللغوية، بحسب ملاحظته، بالعناية نفسها في بعض الخطابات المؤسساتية.

وشدد على أن العلاقة بين المدرسة والفضاء العام ينبغي أن تقوم على التكامل، بحيث يجد المتعلم في خطابات المسؤولين والمؤسسات ما يؤكد أهمية المعارف اللغوية التي يكتسبها خلال مساره الدراسي.

وفي المقابل، حرص البحراوي على التمييز بين النقد اللغوي والتجريح الشخصي، مؤكداً أنه لا يكتب من موقع من يتصيد الأخطاء أو يبحث عن إحراج المسؤولين، وإنما من موقع أستاذ يعتبر اللغة قضية ثقافية وتربوية وحضارية تستحق الاهتمام.

ودعا إلى استقبال الملاحظات المتعلقة بالأداء اللغوي بروح منفتحة، باعتبارها مساهمة في تجويد الخطاب العمومي والارتقاء بالممارسة المؤسساتية، لا تشكيكاً في شرعية المسؤولية أو في مكانة من يتولاها.

واختتم رسالته بالتأكيد على أن صيانة اللغة العربية مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات، وأن الاعتزاز بها لا ينبغي أن يظل مجرد شعار، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة ملموسة تقوم على الإتقان والاستعداد والعناية بجودة التعبير.

كما دعا إلى أن تحظى اللغة العربية داخل البرلمان وباقي المؤسسات الوطنية بالمكانة التي تستحقها، وأن تكون الخطابات الرسمية نموذجاً للبيان الرصين والوضوح والدقة.

وقد أثارت الرسالة تفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها تعليق نُشر باسم بوشعيب إسل، وسّع النقاش ليشمل الأخطاء اللغوية المتكررة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، معتبراً أن مسؤولية الحفاظ على سلامة اللغة العربية لا ينبغي أن تقتصر على الخطاب السياسي، بل تشمل أيضاً المؤسسات الإعلامية والفضاءات التي يتلقى من خلالها الأطفال والشباب اللغة يومياً.

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة إشكالية جودة اللغة المستعملة في الفضاء العمومي، وحدود المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات السياسية والإعلامية والتربوية في تعزيز الاستعمال السليم للعربية، باعتبارها إحدى اللغتين الرسميتين للمملكة إلى جانب الأمازيغية.

وبين الدعوة إلى احترام قواعد اللغة ومراعاة طبيعة الخطاب السياسي الشفهي، تبرز أهمية التمييز بين الأخطاء العارضة التي قد يقع فيها أي متحدث، وبين الحاجة إلى تحسين إعداد الخطابات الرسمية ومراجعتها لغوياً قبل تقديمها.

وتظل رسالة الدكتور إبراهيم البحراوي تعبيراً عن موقف نقدي من الأداء اللغوي للتصريح الحكومي، وتفتح نقاشاً يتجاوز الأشخاص نحو سؤال أوسع يتعلق بمكانة اللغة العربية في الممارسة المؤسساتية، ومدى انعكاس الاعتزاز بها على جودة استعمالها داخل البرلمان والإدارة والإعلام والمدرسة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى