أخبار وطنية

رئيس النيابة العامة يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الحقوق والحريات ويدعو إلى تأطير استخدامه في العدالة الجنائية

  تنوير | متابعة

أكد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة لا ينبغي أن يقتصر على الاستفادة من إمكانياته التقنية، بل يتعين أن يقوم كذلك على فهم حدوده ومخاطره وتحديد الضوابط الأخلاقية والقانونية المؤطرة لاستخدامه، بما يضمن حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

وجاء ذلك خلال كلمة ألقاها، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 بمدينة فاس، بمناسبة افتتاح دورة تكوينية لفائدة المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة حول موضوع «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، في إطار الجهود الرامية إلى تطوير كفاءات القضاة ومواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة وانعكاساتها على العدالة الجنائية.

وأوضح رئيس النيابة العامة أن التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح يطرح تحديات قانونية وحقوقية وأخلاقية متزايدة، خصوصاً في ما يتعلق بضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، واحترام الضمانات المرتبطة بالإجراءات القضائية.

وأشار إلى أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على المجالات العلمية والتعليمية والاقتصادية، بل امتدت إلى قطاعات متعددة، من بينها منظومة العدالة، حيث باتت هذه التقنيات توفر إمكانيات جديدة لرصد الأنشطة الإجرامية، والكشف عن عمليات الاحتيال، وتيسير التحقيقات الجنائية.

غير أن هذه الإمكانيات، بحسب بلاوي، تطرح في المقابل تحديات أمام المؤسسات القضائية والنيابات العامة، بالنظر إلى ما قد ينجم عن استخدامها من مخاطر تمس الحقوق والحريات، وهو ما يستدعي الإلمام بالجوانب التقنية والقانونية والأخلاقية المرتبطة بها.

وشدد المسؤول القضائي على أن تطوير أداء العدالة الجنائية بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة يجب أن يواكبه حرص مستمر على احترام حقوق الإنسان، باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية لعمل النيابة العامة ومؤسسات إنفاذ القانون.

وفي هذا السياق، أوضح أن الدورة التكوينية تندرج ضمن تنزيل المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026–2028، ولا سيما التوجه الاستراتيجي الثاني المتعلق بتعزيز حماية الحقوق والحريات، إلى جانب مواصلة تنفيذ برنامج تقوية قدرات قضاة النيابة العامة في مجال حقوق الإنسان، الذي انطلق سنة 2020.

وأضاف أن هذا التكوين يشكل جزءاً من سلسلة لقاءات ودورات ستنظم بمختلف جهات المملكة، بهدف تمكين المسؤولين القضائيين من فهم رهانات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته العملية، والتعرف على المعايير الدولية التي تؤطر استخدامه في مجال العدالة الجنائية.

ومن جانبه، أكد سمير مرموري، ممثل مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، الذي يساهم في تنظيم هذه الدورة بشراكة مع رئاسة النيابة العامة، أن هذا اللقاء يندرج ضمن مواكبة جهود المغرب الرامية إلى تعزيز الحكامة في قطاع العدالة وتطوير قدرات القضاة.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز المواضيع التي تستدعي اهتمام المؤسسات القضائية، بالنظر إلى سرعة تطوره واتساع مجالات استخدامه، مشيراً إلى أن البرنامج التكويني يسعى إلى تمكين قضاة النيابة العامة والمسؤولين القضائيين من المعارف الضرورية للتعامل مع هذه التقنيات وفق متطلبات حقوق الإنسان.

وتتناول الدورة التكوينية الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في مجال الوقاية من الجريمة والكشف عنها والتحقيق فيها، مقابل التحديات التي يطرحها استخدام هذه التكنولوجيا من طرف المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون والعدالة الجنائية.

ويركز البرنامج، في هذا الصدد، على ضرورة ضمان توافق التطبيقات المعتمدة مع مبادئ سيادة القانون والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، خصوصاً تلك المرتبطة بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وضمان المحاكمة العادلة والرقابة البشرية على القرارات المدعومة بالأنظمة الذكية.

ويستند التكوين إلى عدد من المرجعيات الدولية، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لسنة 2019، فضلاً عن الاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024.

وتهدف هذه الدورة إلى تعريف المشاركين بالمفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العدالة الجنائية، وتعزيز فهمهم للآثار المحتملة لهذه التقنيات على حقوق الإنسان والضمانات الإجرائية، إلى جانب مناقشة دور السلطات القضائية في الإشراف على استخدامها ومراقبة مدى احترامها للقانون.

كما تسعى إلى تشجيع تبادل التجارب والخبرات بين المسؤولين القضائيين، وفتح نقاش حول التحديات العملية المرتبطة بالجرائم الناشئة عن استخدام التكنولوجيا الحديثة، وكيفية التعامل معها في إطار يحترم الحقوق والحريات.

ويتضمن البرنامج التكويني، على مدى يومين، محوراً نظرياً يخصص للتعريف بالمفاهيم الأساسية والأطر المعيارية الدولية والرهانات الحقوقية، يليه جانب تطبيقي من خلال ورشات موضوعاتية تتناول مختلف الإشكالات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة.

وتحظى قضايا حماية المعطيات الشخصية واحترام الحياة الخاصة والسلامة الجسدية للأشخاص باهتمام خاص ضمن أشغال هذه الدورة، إلى جانب الضمانات الإجرائية والرقابة البشرية وآليات تحديد المسؤولية والمساءلة.

ويعكس تنظيم هذا اللقاء التكويني تنامي الاهتمام المؤسساتي بالتحديات التي تطرحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل منظومة العدالة، في ظل التحولات الرقمية التي تشهدها مختلف القطاعات.

كما يبرز أهمية إيجاد توازن بين الاستفادة من الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة لتحسين فعالية العدالة الجنائية، وبين ضرورة حماية الحقوق الأساسية للأفراد، وضمان عدم تحول الأدوات الرقمية إلى مصدر للمساس بالخصوصية أو بضمانات المحاكمة العادلة.

وبذلك، يضع تصريح رئيس النيابة العامة مسألة الحكامة الأخلاقية والقانونية للذكاء الاصطناعي في صلب النقاش حول مستقبل العدالة، مؤكداً أن التطور التكنولوجي، مهما بلغت إمكانياته، يظل بحاجة إلى تأطير قانوني ورقابة بشرية وضمانات حقوقية تكفل توظيفه في خدمة العدالة، دون الإخلال بمبادئ دولة الحق والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى