تنوير | متابعة
وضعت الحكومة المغربية توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات في مقدمة أولويات برنامجها الحكومي للفترة 2026–2031، الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، مؤكدة أن تعزيز الممارسة الديمقراطية، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والحريات، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات والعمل العمومي، تشكل مرتكزات أساسية للعمل الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويأتي هذا التوجه ضمن سبع أولويات مترابطة حددها البرنامج الحكومي، تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي، فضلاً عن بناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الطموحات.
وأكدت الحكومة، في تصريحها أمام البرلمان، أن تكريس دولة الحق والقانون والمؤسسات ليس مجرد توجه تشريعي أو إداري، بل يمثل، وفق تصورها، شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنات والمواطنين في العمل العمومي والحياة السياسية، من خلال تقوية الحضور المؤسسي، وتعزيز المشاركة المواطنة، والتفاعل الإيجابي مع المقترحات البناءة التي تتقدم بها المعارضة.
وفي هذا السياق، تعهدت الحكومة بإعطاء دفعة جديدة للممارسة الديمقراطية، وتعزيز دور المؤسسات في تدبير الشأن العام، بما يضمن تفاعلاً أكبر مع انتظارات المواطنين، ويكرس ثقافة الحوار والانفتاح والتعاون بين مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين.
إصلاح منظومة العدالة وضمان الولوج المنصف إلى القضاء
خصص البرنامج الحكومي حيزاً مهماً لإصلاح منظومة العدالة، انطلاقاً من اعتبارها حقاً أساسياً من حقوق المواطنين، حيث أعلنت الحكومة عزمها إطلاق برنامج لتحديث القطاع، يرتكز على تقريب العدالة من المواطنين، وتيسير الولوج العادل إلى القضاء، وتعزيز الأمن القانوني.
ويراهن هذا التوجه على تطوير أداء المنظومة القضائية وتحسين علاقتها بالمرتفقين، بما يجعل الخدمات القضائية أكثر قرباً واستجابة لحاجيات المواطنين، في إطار احترام استقلال السلطة القضائية والضمانات القانونية.
كما أكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان، من خلال إدماج البعد الحقوقي في مختلف السياسات العمومية، وإرساء حكامة مؤسساتية دامجة ومنصفة تضمن التمتع الفعلي بالحقوق والحريات.
وشدد التصريح الحكومي على أهمية تقوية الترابط بين الديناميات الوطنية والدولية في مجال حقوق الإنسان، بما يعزز موقع هذه الحقوق ضمن الاختيارات العمومية للدولة.

حقوق المرأة والمساواة في صلب الالتزامات الحكومية
وفي ما يتعلق بحقوق النساء، أعلن البرنامج الحكومي مواصلة النهوض بأوضاع المرأة المغربية، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، مع التركيز على التمكين الاقتصادي عبر توفير فرص الشغل اللائق، وتشجيع المبادرة والاستقلالية المالية.
كما التزمت الحكومة بمحاربة العنف ضد النساء، وتعزيز آليات الحماية والمواكبة، وتوسيع مشاركة المرأة في مراكز القرار، إلى جانب تحسين ولوجها إلى خدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
وأولى البرنامج اهتماماً خاصاً بالنساء في الوسط القروي والفئات الهشة، بالنظر إلى التحديات المرتبطة بالفوارق الاجتماعية والمجالية، مؤكداً ضرورة ضمان استفادتهن الفعلية من الحقوق والخدمات الأساسية.
الجهوية المتقدمة.. 12 مليار درهم للجهات ابتداءً من 2027
وفي الجانب المتعلق بالحكامة الترابية، اعتبرت الحكومة أن الجهوية المتقدمة تمثل ركيزة مؤسساتية أساسية لتطوير تدبير الشأن العام على المستوى الترابي، معلنة عزمها إحداث تحول نوعي في فلسفة تدبير الشأن الجهوي.
وفي هذا الإطار، تعهدت بمواصلة تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، وإعادة هندسة اختصاصاتها وفق معايير الوضوح والنجاعة، وتحديث آليات تنفيذ المشاريع التنموية على المستوى الجهوي.
ومن أبرز الالتزامات الرقمية التي تضمنها التصريح الحكومي رفع حجم التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، بهدف تقوية مواردها المالية وتعزيز استقلاليتها وقدرتها على تنفيذ المشاريع التنموية.
كما تعتزم الحكومة مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات، وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية.
ويرتبط هذا التوجه أيضاً بتسريع التنفيذ الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يسمح بتعزيز فعالية الإدارة الترابية وتقريب مراكز القرار من المجالات المعنية بالمشاريع والبرامج التنموية.
وفي السياق ذاته، جعل البرنامج الحكومي من تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة إحدى ركائزه الأساسية، باعتبارها إطاراً لتنسيق السياسات العمومية المجالية وتحسين أثرها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
الشباب خيط ناظم لمختلف السياسات العمومية
ورغم إدراج إدماج الشباب ضمن أولوية مستقلة، أكد التصريح الحكومي أن قضايا هذه الفئة تشكل محوراً مشتركاً بين مختلف التوجهات الحكومية.
وفي هذا الصدد، أعلنت الحكومة إعداد استراتيجية وطنية مندمجة لفائدة الشباب، ترتكز على حكامة منسجمة وشاملة وتشاركية، وتحسين الإطار المؤسساتي، بما يضمن للشباب حقوقاً واضحة ومواكبة فعلية وولوجاً أوسع إلى الفرص الاقتصادية.
وتشمل هذه المقاربة تعزيز المشاركة السياسية والمؤسساتية للشباب، وتحسين جودة المدرسة العمومية والتوجيه والتكوين المهني، ودعم استقرار الفلاحين الشباب في الوسط القروي، فضلاً عن إدماج الشباب ضمن صفقات المشاريع الكبرى والأوراش المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
كما تعتزم الحكومة تطوير تكوين الشباب في المهن الرقمية، وتشجيع عودة الكفاءات المغربية، والعمل على تقليص هجرة حاملي الشهادات العليا.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة المعلنة في جعل الشباب فاعلاً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وليس مجرد فئة مستهدفة ببرامج قطاعية منفصلة.
بين التعهدات الحكومية ورهان التنفيذ
ويبرز من خلال المحور الأول للبرنامج الحكومي أن الحكومة تراهن على الربط بين الإصلاح المؤسساتي وتعزيز الحقوق والحريات والحكامة الترابية، باعتبارها عناصر مترابطة في مسار إعادة بناء الثقة في المؤسسات.
غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة ستظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على تحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات تشريعية وتنظيمية وبرامج تنفيذية محددة، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاح العدالة، وتوسيع المشاركة المواطنة، وتعزيز حقوق النساء، وتسريع الجهوية المتقدمة.
كما يطرح الالتزام برفع التحويلات المالية إلى الجهات إلى 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027 مسألة تتبع أثر هذه الموارد على الاستثمار والتشغيل وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وبين طموح ترسيخ دولة الحق والقانون والمؤسسات وتحديات التنزيل، سيكون مدى انعكاس الإصلاحات المعلنة على علاقة المواطن بالإدارة والقضاء والمؤسسات، وعلى جودة الخدمات العمومية، أحد المعايير الأساسية لتقييم حصيلة هذا المحور من البرنامج الحكومي خلال الولاية 2026–2031.
زر الذهاب إلى الأعلى