تنوير | متابعة
دافعت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، خلال جلسة عمومية بمجلس المستشارين خُصصت لمناقشة البرنامج الحكومي، عن اختيارات حكومتها وتوجهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تقتضي اعتماد الوضوح والجرأة في اتخاذ القرارات، وترسيخ أخلاقيات العمل السياسي، والانفتاح على الحوار مع مختلف الفاعلين والشركاء الاجتماعيين.
وجاء رد المنصوري على مداخلات أعضاء مجلس المستشارين في إطار المناقشة البرلمانية للبرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي قدمته أمام مجلسي البرلمان خلال الجلسة المشتركة المنعقدة يوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري، وفق مقتضيات الفصل 88 من الدستور.
وشددت رئيسة الحكومة، في معرض جوابها، على أن الحكومة التي تقودها حكومة سياسية وليست شعبوية، معتبرة أن العمل الحكومي ينبغي أن يستند إلى الإنصات المباشر لانشغالات المواطنين، بدل الاكتفاء بالدراسات والتقارير التقنية.
وقالت المنصوري، بحسب التصريحات المنقولة عن الجلسة، إن حكومتها لم تستمد تصورها للأوضاع المعيشية للمغاربة من مكاتب الدراسات أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما من التواصل المباشر والإنصات إلى المواطنين والاطلاع على انتظاراتهم وتطلعاتهم.
وفي السياق ذاته، أكدت أن الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية الحكومية، وهي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تتقاسم الإيمان بالممارسة الديمقراطية والحوار السياسي، مشيرة إلى أن أعضاء الحكومة ينتمون إلى تنظيمات حزبية لها امتداداتها السياسية والنضالية.
واعتبرت رئيسة الحكومة أن ترسيخ الأخلاق في تدبير الشأن العام والممارسة السياسية ليس شعاراً شعبوياً، بل ضرورة لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ المسؤولية والمحاسبة.
وتوقفت المنصوري عند الجدل الذي رافق إعفاء الوزيرة السابقة مديحة خيير، مؤكدة أن حكومتها تعاملت مع المعطيات التي ظهرت بشأن وضعيتها بالسرعة والجدية اللازمتين، وأن قرار طلب إعفائها جاء فور الاطلاع على المعلومات التي أثارت التساؤلات.
وأوضحت أن الحكومة لم تكن على علم بتلك المعطيات عند التعيين، مضيفة أنها بادرت، بمجرد الاطلاع عليها، إلى رفع طلب الإعفاء إلى جلالة الملك محمد السادس، الذي وافق عليه.
ورفضت رئيسة الحكومة اعتبار هذه الواقعة مؤشراً على ارتباك انطلاقة العمل الحكومي، مشددة على أن الأمر يعكس، من وجهة نظرها، الجرأة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية السياسية.
وأكدت في هذا الصدد رفضها للشبهات المرتبطة بتدبير الشأن العام، مع التشديد في المقابل على ضرورة التصدي للأخبار الزائفة والإشاعات والاتهامات غير المؤسسة، بما يحفظ حق المواطنين في المعلومة ويصون سمعة المؤسسات والأشخاص.
وفي ما يتعلق بالجدل القانوني حول مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل حصول الحكومة على ثقة البرلمان، دافعت المنصوري عن سلامة الإجراء، معتبرة أنه لا يشكل خرقاً للدستور أو للقانون التنظيمي المتعلق بتسيير أشغال الحكومة.
وأوضحت أن الحكومة كانت ملزمة باحترام الآجال القانونية لإيداع مشروع قانون المالية لدى مكتب مجلس النواب، مشيرة إلى أن المصادقة الحكومية على المشروع وإيداعه لا تعنيان انطلاق مناقشته البرلمانية.
وينص القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، في مادته 48، على إيداع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية.
واعتبرت المنصوري أن احترام هذا الموعد، رغم ضيق المدة الفاصلة بين تشكيل الحكومة وإعداد برنامجها ومشروع قانون المالية، يمثل مجهوداً استثنائياً تطلب تعبئة مختلف مكونات الأغلبية الحكومية والإدارة.
وعلى المستوى الاجتماعي، أكدت رئيسة الحكومة أن السلطة التنفيذية ستواصل اعتماد الحوار مع المركزيات النقابية والشركاء الاجتماعيين، مع الالتزام بتنفيذ التعهدات المرتبطة بالحوار الاجتماعي برسم سنة 2027، مشيرة إلى برمجة غلاف مالي يبلغ 50 مليار درهم.
وشددت على أنها لن تقدم وعوداً بالاستجابة الفورية لجميع المطالب، معتبرة أن الصراحة مع المواطنين تقتضي الاعتراف بالإكراهات المالية والاقتصادية وبحدود الإمكانات المتاحة.
وقالت في هذا السياق إنها لن تطلب من الوزراء الانشغال بالتسويق الإعلامي لعمل الحكومة، بل بمصارحة المغاربة بما تحقق فعلياً، مؤكدة أن الحكومة لا تملك عصاً سحرية لحل جميع المشاكل، لكنها مطالبة بالعمل الجاد وتحديد الأولويات وتحقيق نتائج ملموسة.
واستحضرت المنصوري، في معرض حديثها عن أهمية الحوار، طريقة تعامل وزير التربية الوطنية نبيل بنعبد الله مع احتجاجات أساتذة التعليم الأولي، معتبرة أن اللجوء إلى النقاش والجلوس إلى طاولة الحوار يجسد جوهر الممارسة السياسية المسؤولة.
وفي محور آخر من جوابها، أبرزت رئيسة الحكومة المكانة التي ينبغي أن تحتلها المرأة في السياسات العمومية، مؤكدة أن النساء يشكلن نصف ساكنة المملكة، وأن تحقيق التنمية المنشودة لا يمكن أن يتم دون مشاركتهن الفعلية في مختلف المجالات.
واعتبرت أن التخلي عن النساء يعني التخلي عن جزء أساسي من طاقات المغرب وإمكاناته، داعية إلى تعزيز حضور المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتمكينها من المساهمة الكاملة في بناء المغرب الصاعد.
كما أكدت أن المملكة تتوفر على مؤهلات بشرية وطبيعية مهمة، فضلاً عن الاستقرار الذي تتمتع به، وهي عناصر اعتبرتها كفيلة بتبرير طموحات تنموية كبيرة، شريطة تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع وإنجازات تستجيب لتطلعات المواطنين.
وفي ختام أبرز محاور جوابها، جددت المنصوري التأكيد على أن الحكومة ستجعل من الحوار والوضوح والمسؤولية السياسية مرتكزات أساسية لعملها، معتبرة أن نجاح البرنامج الحكومي لن يقاس بحجم الوعود والخطابات، وإنما بمدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمغاربة، وتحسين ظروف عيشهم، وتقوية ثقتهم في المؤسسات.
وتندرج هذه المناقشة في المسار الدستوري لتنصيب الحكومة الجديدة، الذي يربط حصولها على ثقة مجلس النواب بالتصويت على برنامجها الحكومي، وفق أحكام الفصل 88 من الدستور.