الحنبلي عزيز -تنوير – متابعة
قدم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أمام جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان بالرباط، الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، كاشفاً عن حزمة من التدابير الضريبية والاجتماعية والاقتصادية التي تعتزم الحكومة اعتمادها لتحسين القدرة الشرائية للمغاربة، والرفع من معاشات التقاعد، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار والتشغيل.
وتأتي هذه الجلسة، المنعقدة طبقاً لمقتضيات الفصل 68 من الدستور، بعد مصادقة مجلس الحكومة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري، على مشروع قانون المالية رقم 60.26، الذي يشكل أول ترجمة مالية للبرنامج الحكومي الجديد.وأكد لقجع، خلال تقديمه المشروع، أن الحكومة تسعى إلى تحويل التزاماتها السياسية والاجتماعية إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين، معتبراً أن تحسين الدخل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص الشغل لفائدة الشباب، تمثل أولويات أساسية في المرحلة المقبلة.وأوضح الوزير أن إعداد المشروع يستند إلى التوجيهات الملكية ذات الأبعاد الاستراتيجية، وإلى المرجعيات الواردة في البرنامج الحكومي، في سياق دولي تطبعه حالة من عدم اليقين، بفعل استمرار النزاعات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع الضغوط المرتبطة بالأمن الطاقي والغذائي.وعلى المستوى الاقتصادي، توقع لقجع أن يسجل الاقتصاد الوطني نمواً بنسبة 4.7 في المائة خلال سنة 2026، مقابل توقعات بتحقيق نمو في حدود 3.7 في المائة سنة 2027، وفق الفرضيات المعتمدة في إعداد المشروع.
وفي واحد من أبرز الإجراءات المعلنة، كشف الوزير عن مراجعة تدريجية للضريبة على الدخل خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، تشمل رفع سقف الإعفاء الضريبي وتقليص عدد الأشطر الخاضعة للضريبة من خمسة إلى ثلاثة، مع اعتماد معدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة، وخفض المعدل الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة.وبموجب الإصلاح المعلن، ستصبح الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم معفاة من الضريبة على الدخل ابتداءً من فاتح يناير 2027، وهو إجراء قال لقجع إنه سيرفع نسبة الأجراء المعفيين إلى 87 في المائة، مقابل استمرار 13 في المائة في أداء هذه الضريبة. كما ينتظر أن يصل المكسب الشهري بالنسبة إلى عدد من الأجراء المعنيين إلى نحو 500 درهم خلال السنة المقبلة، بكلفة مالية إجمالية تقدر بـ5.5 مليارات درهم.
وفي ملف التقاعد، أعلن لقجع عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً في أفق نهاية الولاية الحكومية، على أن تبدأ المرحلة الأولى برفع الحد الأدنى إلى 1700 درهم ابتداءً من يناير 2027، بعدما كان في حدود 1000 درهم.
وينتظر أن يستفيد من هذا الإجراء نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة، في خطوة ترمي إلى تحسين أوضاع فئات واسعة من المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات محدودة.كما يتضمن المشروع رفع نسبة المعاش المخول للأرامل من 50 إلى 100 في المائة من معاش المتوفى، وفق الشروط التي ستحددها النصوص المنظمة، بما يشمل نحو 431 ألف أرملة. وقدر الوزير الكلفة الإجمالية للإجراءين المرتبطين بمعاشات التقاعد والأرامل بنحو 10 مليارات درهم.
وعلى صعيد القدرة الشرائية، أعلن الوزير عن توجه الدولة إلى تحمل قيمة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً، بما يمكن نحو ستة ملايين زبون من الاستفادة من هذا الدعم، أي ما يعادل حوالي 60 في المائة من مجموع الزبائن، بكلفة سنوية متوقعة تبلغ 2.8 مليار درهم.
وفي ما يتعلق بأسعار المواد الأساسية، أكد لقجع أن الحكومة ستعمل على إعادتها إلى مستويات معقولة، من خلال إصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة، وتقليص تكاليف الوساطة، وتعزيز المنافسة، وإحداث ست شركات جهوية للتجميع والتسويق بالأحواض الفلاحية الكبرى.ويهدف هذا التوجه، بحسب العرض الحكومي، إلى تحسين تنظيم سلاسل الإنتاج والتسويق، والحد من تأثير تعدد الوسطاء على الأسعار التي يؤديها المستهلك النهائي.وفي السياق ذاته، يتضمن مشروع قانون المالية الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم في أفق نهاية الولاية الحكومية، مع إقرار زيادة أولية بقيمة 100 درهم خلال سنة 2027، ورصد اعتمادات مالية تصل إلى ثلاثة مليارات درهم لهذا الغرض.
كما تتجه الحكومة إلى مراجعة آليات استهداف الأسر المستفيدة من الدعم، مع تعزيز اعتماد الدخل الفعلي معياراً لتحديد الاستحقاق، إلى جانب مواصلة إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية وتوسيع الاستفادة من التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل.وفي ما يتعلق بالخدمات العمومية، رصد المشروع اعتمادات مالية مهمة لقطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما من المجالات الأساسية التي تراهن عليها الحكومة لتحسين جودة الخدمات وتقليص التفاوتات الاجتماعية والمجالية.ففي قطاع الصحة، يرتقب أن تبلغ الميزانية 45.4 مليار درهم، بزيادة تناهز ثلاثة مليارات درهم مقارنة بسنة 2026، مع إحداث ثمانية آلاف منصب مالي جديد.
وستوجه هذه الموارد إلى مواكبة إصلاح المنظومة الصحية، وتعميم المجموعات الصحية الترابية، وتأهيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب تسريع إنجاز وتجهيز المراكز الاستشفائية الجامعية، خصوصاً بالدار البيضاء وبني ملال وكلميم والرشيدية.
أما قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين، فيتوقع أن تستفيد من ميزانية تبلغ 121.3 مليار درهم، بزيادة قدرها 5.3 مليارات درهم، مع تخصيص 17 ألفاً و874 منصباً مالياً. وتشمل الأولويات المعلنة تعميم التعليم الأولي، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلمات، وتوسيع العرض الجامعي من خلال إحداث 49 مؤسسة جديدة.وفي مجال السكن، يتضمن المشروع تعبئة استثمارات بقيمة 10.4 مليارات درهم، لمواصلة محاربة السكن غير اللائق، وتحسين العرض السكني، وإطلاق برنامج مندمج للسكن القروي، مع تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بالبناء والتعمير في العالم القروي.
وعلى مستوى التنمية الترابية، كشف لقجع عن تخصيص 25 مليار درهم خلال سنة 2027 للشروع في تنزيل جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة، مع إحداث آليات جهوية للتنفيذ والتتبع، وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أعلن عن توجه لرفع التحويلات المالية المخصصة للجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً، في إطار تسريع ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
ولم يغب ملف الشباب والتشغيل عن العرض الحكومي، إذ يتضمن المشروع إطلاق برنامج وطني للفترة الممتدة بين 2027 و2031، بغلاف مالي يقارب ستة مليارات درهم، يهدف إلى تقوية الإدماج الاقتصادي والمهني للشباب.
ويرتكز البرنامج على تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات سوق الشغل، وتمكين نحو 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية، إلى جانب توسيع الطاقة الاستيعابية لبرامج التكوين والمواكبة، وتقديم تحفيزات للمقاولات التي توفر فرص العمل.وفي الشق الاقتصادي، أعلن لقجع رفع مجهود الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم برسم سنة 2027، بهدف مواكبة المشاريع التنموية الكبرى وتحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني على خلق الثروة ومناصب الشغل.
كما يتضمن المشروع مواصلة آلية دعم ومواكبة المؤسسات الصحفية، باعتمادات مالية معلنة تبلغ 247 مليون درهم، في إطار التدابير الموجهة إلى القطاع الإعلامي.
وفي الجانب المتعلق بالتوازنات المالية، أكد الوزير أن الحكومة تستهدف حصر عجز الميزانية في حدود ثلاثة في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع ضبط المديونية عند حوالي 66.9 في المائة، سعياً إلى التوفيق بين تمويل الالتزامات الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية.
ولم تخلُ مداخلة الوزير من رسائل سياسية موجهة إلى المعارضة، حيث شدد على أهمية دورها في البناء المؤسساتي والديمقراطي، داعياً إلى ممارسة المعارضة بروح المسؤولية والاجتهاد، بعيداً عما اعتبره ترويجاً لأحكام مسبقة بشأن تراجع الحكومة عن وعودها.
وانتقد لقجع ما وصفه بتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أخبار غير صحيحة حول الالتزامات الحكومية، معتبراً أن تقييم مدى وفاء الحكومة بتعهداتها ينبغي أن يستند إلى مضمون مشروع قانون المالية وإلى النتائج الفعلية لتنفيذ الإجراءات المعلنة.
ويضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة أمام اختبار اجتماعي واقتصادي مهم، بالنظر إلى حجم الالتزامات التي أعلنت عنها، وانتظارات المواطنين بشأن تحسين مستوى المعيشة والولوج إلى الخدمات الأساسية وتوفير فرص الشغل.
وبين الوعود المتعلقة بتخفيف العبء الضريبي، والرفع من معاشات التقاعد، ودعم الأسر، وتعزيز الاستثمار العمومي، يبقى الرهان الأساسي مرتبطاً بقدرة الحكومة على ترجمة هذه التدابير إلى نتائج ملموسة، وضمان استدامة تمويلها، وتحديد الفئات المستفيدة منها بصورة عادلة وشفافة.
ومع انتقال المشروع إلى المناقشة البرلمانية، ستظل تفاصيل تنزيل الإجراءات وآجال تطبيقها وكلفتها المالية ومدى تأثيرها على التوازنات العامة للدولة، في صلب النقاش السياسي والاقتصادي، خصوصاً أن التدابير المعلنة تظل مقترحات واردة في مشروع قانون، تنتظر استكمال المسطرة التشريعية قبل دخولها حيز التنفيذ.ويشكل هذا النقاش أول اختبار عملي للبرنامج الحكومي الجديد، وفرصة لقياس مدى قدرة الاختيارات المالية المعلنة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة.