أخبار وطنية

شحتان ينبه إلى المخاطر التي تواجه الصحافة المغربية ويدعو إلى إعادة تنظيم القطاع، مشدداً على ضرورة ربط الدعم العمومي بالمهنية والاستثمار.

رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين يكشف استفادة 379 مقاولة من الدعم العمومي مقابل 59 مقاولة منضوية في تنظيمات مهنية.. ويؤكد أن المرحلة المقبلة تقتضي بناء مقاولات إعلامية مواطنة ومهيكلة وقادرة على المنافسة

الحنبلي عزيز -تنوير | متابعة

خلال الجمع العام العادي ، الذي عقد يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 في الدار البيضاء، دعا إدريس شحتان إلى ضرورة إجراء تغييرات جذرية في إدارة قطاع الصحافة والنشر بالمغرب. وأكد أن إعادة هيكلة المقاولات الإعلامية ومراجعة أسس الدعم العمومي وتعزيز المهنية والاستقلالية الاقتصادية أمر ضروري، بهدف معالجة الاختلالات التنظيمية التي تعرقل تطور الإعلام الوطني.

شحتان أكد أن الوضع الحالي يتطلب التحول من سياسة الحفاظ على استمرارية المؤسسات الصحفية إلى بناء صناعة إعلامية وطنية قوية، تعتمد على الاستثمار والتحديث والتدريب، بما يتماشى مع متطلبات المهنية والمسؤولية.

كما أشار إلى أن الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين أصبحت تمثل إطاراً مهنياً للناشرين بفضل ثقة أعضائها والجهود المستمرة من الرؤساء السابقين. وأكد عزيمته على مواصلة العمل لصالح المقاولات الصحفية الجادة ولرفع مستوى الممارسة الإعلامية في المغرب.

دعم الأجور منذ 2020.. من حماية مناصب الشغل إلى تطوير المقاولة

بالنسبة للدعم المالي، أوضح شحتان أن الدعم العمومي الذي تقدمه الوزارة منذ عام 2020 كان يهدف أساساً إلى تأمين أجور الصحافيين، كجزء من جهود الدولة للحفاظ على العنصر البشري وضمان استمرارية المقاولات الإعلامية خلال تداعيات الأزمة الصحية.

ورغم تقديره للجهود الحكومية في حماية فرص العمل، إلا أنه أكد على ضرورة ربط الدعم بالتزام المقاولات بتطوير نظم عملها وتحسين إدارتها، حتى لا يتحول الدعم العمومي إلى وسيلة دائمة لتغطية النفقات دون تحقيق تقدم فعلي.

وأشار إلى تخصيص 247 مليون درهم لدعم قطاع الصحافة في مشروع قانون المالية لعام 2027، مطالباً بتوجيه هذه الأموال نحو تشجيع الاستثمار وتطوير مقاولات إعلامية قادرة على تحقيق الاستدامة الاقتصادية.

كما أثنى على استعداد الوزير المسؤول والوزير المنتدب المكلف بالميزانية للتعاون مع المهنيين من أجل تعزيز الصحافة الوطنية، مشدداً على أهمية تقديم نماذج ناجحة للمقاولات الإعلامية التي تستحق الدعم.

379 مقاولة تستفيد من الدعم.. وشحتان يتساءل عن هوية 300 منها

فيما يتعلق بعدد المقاولات المستفيدة من الدعم، أشار شحتان إلى أن 379 مقاولة تتلقى دعم الأجور، بينما لا يوجد سوى 59 مقاولة منظمة مهنية. وأبدى استغرابه من هذا التفاوت، متسائلاً عن كيفية بناء قطاع إعلامي تنافسي في ظل هذا الوضع.

تعتبر تصريحاته مهمة في سياق النقاش حول شفافية توزيع الدعم ومعايير الاستفادة منه، مع ضرورة التأكيد على أن عدم معرفة بعض المقاولات لا يعني عدم قانونيتها.

ودعا شحتان إلى وضع معايير واضحة لتوجيه الدعم نحو المقاولات المعروفة وملتزمة بواجباتها الاجتماعية والضريبية والمهنية، والتي تساهم بشكل فعلي في إنتاج المحتوى الصحفي.

كما اعتبر أن تعزيز المهنية يتطلب دعم المقاولات الجادة التي تستثمر في الصحافيين، بدلاً من توزيع الدعم دون ربطه بمؤشرات واضحة تتعلق بالجودة والاستدامة.

المقاولة المواطنة والمهيكلة في صلب مشروع الإصلاح

في حديثه عن مواصفات المقاولة الصحفية المثالية، أكد شحتان على أهمية أن تكون المقاولة الإعلامية “مواطنة ومهيكلة”، تلتزم بالقانون وتوفر ظروف عمل مناسبة للصحافيين. وأوضح أن الجمعية لا تهدف إلى إقصاء المؤسسات التي تواجه صعوبات، بل تسعى لدعمها في تحقيق التنظيم والاحترافية.

ودعا المقاولات التي لم تكمل هيكلتها إلى الإسراع في تسوية أوضاعها، مع استعداد الجمعية لمساعدتها في مواجهة الصعوبات المتعلقة بالضمان الاجتماعي أو الضريبة على القيمة المضافة.

كما أكد أن الجمعية مفتوحة أمام جميع المقاولات الإعلامية الجادة التي تسعى للتطور، بينما ترفض توظيف العمل الصحفي لأغراض بعيدة عن الرسالة الإعلامية.

شدد شحتان على أن الهدف من إعادة تنظيم القطاع ليس تقييد حرية الصحافة، بل بناء بيئة مهنية قائمة على الشفافية والمسؤولية، مما يعزز ثقة المجتمع في الإعلام الوطني.

بطاقة الصحافة المهنية مدخل أساسي للإصلاح

وفي محور آخر، اعتبر شحتان أن إصلاح الصحافة يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للبطاقة المهنية، مؤكداً أنها وسيلة أساسية لتنظيم المهنة وضبط شروط الولوج إليها.

وتحدث عن أهمية دور المقاولة الإعلامية في عملية منح البطاقة المهنية، مشيراً إلى وجود مباحثات بشأن إقرار آلية للترخيص لمزاولة النشاط الإعلامي، بهدف تحسين تنظيم القطاع والتمييز بين الممارسة الصحفية المهنية والأنشطة الأخرى.

هذا التوجه يطرح نقاشاً مهنياً وقانونياً حول كيفية التوفيق بين تنظيم القطاع وضمان حرية الصحافة واستقلالية الصحافيين، مع احترام المتطلبات القانونية والدستورية.

لغزيوي يدعو إلى نموذج اقتصادي مستدام واستقلال تدريجي عن الدعم

من جهته، أكد المختار لغزيوي، الكاتب العام للجمعية، على أهمية التعاون بين المؤسسات والفاعلين المهنيين لإرساء نموذج اقتصادي وتنظيمي مستدام يضمن استمرارية المقاولات الصحفية ويعزز قدرتها على مواجهة التحولات الاقتصادية والرقمية.

واستعرض لغزيوي أبرز المبادرات التي أطلقتها الجمعية لتحسين ظروف العمل وتطوير الإطار القانوني والتنظيمي، مما يعزز هيكلة المقاولات الإعلامية الوطنية.

كما تحدث عن جهود الجمعية في مواكبة الأحداث الكبرى، مثل كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2026، مما يعزز الوجود المهني للإعلام المغربي على الساحة الدولية.

أكد لغزيوي على أن الهدف من الدعم العام يجب أن يكون تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية بدلاً من خلق اعتماد اقتصادي عليها. ينبغي أن يساهم هذا الدعم في تنويع مصادر تمويلها وتعزيز قدرتها الإنتاجية والتنافسية.

كما دعا إلى ضرورة الحفاظ على تماسك الجسم المهني وتجاوز الانقسامات التي قد تضعف قدرة القطاع على الدفاع عن مصالحه ومواجهة التحديات المشتركة.

المنافسة الرقمية والإشهار الدولي يضاعفان تحديات الصحافة

شكل الجمع العام العادي، الذي افتتحته فاطمة الزهراء الورياغلي، فرصة لمناقشة عدة تحديات تواجه الصحافة المغربية، أبرزها تراجع مكانة الصحافي، وارتفاع عدد الوسائل الإعلامية، وزيادة المنافسة من المنصات الرقمية العالمية التي تسيطر على جزء كبير من سوق الإعلانات.

تناولت النقاشات أيضاً ضرورة وجود تمييز قانوني بين العمل الصحفي المهني وأنشطة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى مراجعة كيفية توزيع الإعلانات الرسمية للدولة لتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص.

وشدد المشاركون على أهمية حماية الصحافة المكتوبة وتعزيز آليات الحوار بين مختلف المعنيين، وإحداث لجان لمتابعة الأمور وتقديم مقترحات عملية لمعالجة القضايا الاقتصادية والتنظيمية.

الجمعية تحتفظ بسيولة تفوق 1.72 مليون درهم

من الناحية المالية، أظهر التقرير الذي قدمته فاطمة الزهراء الورياغلي أن إيرادات الجمعية حتى 30 سبتمبر 2026 بلغت حوالي 505,225.61 درهم، مقابل مصروفات تشغيلية بلغت 605,180.19 درهم، مما يعكس عجزاً مؤقتاً قدره 99,954.58 درهم.

ورغم هذا العجز، أشار التقرير إلى أن الوضع المالي للجمعية يظل جيداً، حيث تمتلك سيولة تتجاوز 1.72 مليون درهم، مما يتيح لها الاستمرار في أنشطتها وبرامجها المهنية.

نحو صحافة وطنية قوية ومستقلة وقادرة على المنافسة

اختتم الجمع العام العادي للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالتأكيد على أن مستقبل الصحافة المغربية يتطلب إصلاحاً هيكلياً شاملاً يوازن بين توجيه الدعم العام، وتأهيل المؤسسات الإعلامية، وتحسين الظروف الاجتماعية للصحافيين، والاستثمار في التدريب والابتكار والتحول الرقمي.

كما أكدت الجمعية على التزامها بمواصلة الدفاع عن المؤسسات الصحفية الوطنية والمهيكلة، والتعاون مع الهيئات العامة والمهنية لبناء نموذج إعلامي وطني أكثر قوة وموثوقية واستقلالية.

تظهر مواقف إدريس شحتان والمختار لغزيوي خلال الجمع العام العادي رغبة في الانتقال من مرحلة حماية المؤسسات الصحفية من الانهيار إلى مرحلة تطويرها وتأهيلها اقتصادياً ومهنياً، حيث يعتبر الدعم العام وسيلة لبناء صناعة إعلامية مستدامة بدلاً من كونه مجرد وسيلة لتغطية النفقات.

يظل التحدي الرئيس، في سياق هذه التوجهات، مرتبطاً بالقدرة على تحويل الدعوات إلى إصلاحات عملية تقوم على معايير قانونية واضحة، وتضمن عدالة استفادة الجميع من الموارد العامة، مع الحفاظ على حرية الصحافة والتعددية الإعلامية واستقلالية المؤسسات الصحفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى