وجهة نظر
توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة والإدماج الاجتماعي:ما الغاية من جبر الضرر؟

من الاعتراف بالماضي إلى إنصاف المعنيين في الحاضر:
سؤال المذكرة المطلبية الموجهة إلى المؤسسات منذ 23 أكتوبر 2023
ما الغاية من جبر الضرر؟ وهل يتحقق هذا المبدأ بمجرد الاعتراف بما لحق المعنيين من أضرار، أم إن جوهره يقتضي اتخاذ إجراءات ملموسة لإنصافهم، وتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية والمهنية، ورد الاعتبار إليهم بما يصون كرامتهم ويعزز ثقتهم في المؤسسات؟.
إن طرح هذه الأسئلة اليوم ليس مجرد نقاش نظري حول مفهوم حقوقي، بل هو استحضار لجوهر تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، ولما أقرته من توصيات تروم معالجة آثار الانتهاكات الماضية، من خلال مقاربة لا تقتصر على التعويض المالي، وإنما تشمل أيضاً الإدماج الاجتماعي، والتأهيل الصحي والنفسي، وتسوية بعض الوضعيات الإدارية والوظيفية والقانونية العالقة، وهي مقاربة تؤكدها المرجعيات الرسمية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن مهام الهيئة وتوصياتها.
وفي هذا السياق، تكتسي المذكرة المطلبية التي جرى تعميمها منذ 23 أكتوبر 2023 على عدد من القطاعات الحكومية والهيئات الحزبية والبرلمانية والنقابية والحقوقية أهمية خاصة، باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال تفعيل التوصيات، ومدى تجاوب المؤسسات المعنية مع المطالب المرتبطة بالإدماج الاجتماعي وتسوية الوضعيات الإدارية والمالية.
جبر الضررـ أكثر من تعويض مالي:
إن فلسفة جبر الضرر، كما تبلورت في تجربة العدالة الانتقالية المغربية، تقوم على تصور متعدد الأبعاد؛ فهي تشمل التعويض عن الأضرار، ورد الاعتبار، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية، فضلاً عن البحث عن حلول للمشاكل الإدارية والوظيفية والقانونية التي ظلت عالقة لدى بعض المعنيين.
وبالتالي، فإن اختزال جبر الضرر في التعويض المالي وحده من شأنه أن يغفل جوانب أخرى لا تقل أهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسارات مهنية واجتماعية تأثرت بتداعيات الماضي، أو بوضعيات إدارية تحتاج إلى معالجة منصفة.
فجبر الضرر، في معناه العميق، ليس مجرد إجراء إداري، وإنما هو مسار يروم إعادة الاعتبار للإنسان، وصون كرامته، ومعالجة ما يمكن معالجته من آثار الضرر، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ـ الإدماج الاجتماعي والتسوية الإدارية: أين تكمن المسؤولية؟
إذا كانت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة قد فتحت المجال أمام اعتماد حلول تتعلق بالإدماج الاجتماعي وتسوية الأوضاع الإدارية والمالية، فإن السؤال المطروح يتمثل في كيفية استكمال تفعيل هذه التوصيات بالنسبة إلى الملفات التي ما تزال موضوع مطالب أو متابعة.
ومن هنا تبرز أهمية المذكرة المطلبية التي تم تعميمها منذ أكتوبر 2023؛ فهي تتيح للقطاعات الحكومية والمؤسسات والهيئات المعنية الاطلاع على المطالب المطروحة، والتفاعل معها، والمساهمة في البحث عن حلول عملية في نطاق اختصاص كل جهة.
كما أن إشراك الهيئات الحزبية والبرلمانية والنقابية والحقوقية في هذا النقاش يعكس أهمية المقاربة التشاركية، باعتبار أن معالجة الملفات ذات الأبعاد الاجتماعية والحقوقية لا ينبغي أن تظل محصورة في تبادل المراسلات، بل يفترض أن تفضي إلى حوار مسؤول، وتحديد واضح للمسؤوليات، وتتبع فعلي لما يتم الاتفاق عليه.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بتجاوز القوانين أو المساطر الجاري بها العمل، بل بإعمال روح التوصيات ومقاصدها، والبحث عن الصيغ القانونية والإدارية الممكنة التي تحقق الإنصاف وتحفظ الحقوق.
ـ عندما يصبح الزمن عاملاً في تعميق الضرر
إن الملفات ذات الصلة بالإدماج الاجتماعي والتسوية الإدارية والمالية تكتسي حساسية خاصة عندما ترتبط بالمسارات المهنية أو بالإحالة على التقاعد أو بوفاة بعض المعنيين.
فمرور الزمن قد يجعل معالجة بعض الوضعيات أكثر تعقيداً، كما أن تأخر الحسم في الملفات التي تستوجب المعالجة قد يطرح تحديات إضافية أمام المعنيين وأسرهم وذوي حقوقهم.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو اعتماد مقاربة استباقية، تقوم على تحيين المعطيات، وتحديد الملفات التي ما تزال في حاجة إلى المعالجة، وتوضيح الإجراءات المتخذة بشأنها، مع إيلاء العناية اللازمة للحالات التي تواجه آجالاً قريبة أو أوضاعاً اجتماعية تستدعي تدخلاً عاجلاً.
إن الإنصاف لا يقاس فقط بما تعلنه المؤسسات من مبادئ، بل أيضاً بقدرتها على تحويل تلك المبادئ إلى نتائج ملموسة في حياة الأشخاص المعنيين.
ـ من المذكرة المطلبية إلى الحوار المؤسساتي
إن تعميم المذكرة المطلبية منذ 23 أكتوبر 2023 يطرح، في حد ذاته، سؤالاً حول طبيعة التفاعل المؤسساتي الذي أعقب توجيهها، ومدى ما أفضت إليه من أجوبة أو لقاءات أو مبادرات عملية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تقييم موضوعي لمسار الملف، من خلال توثيق المراسلات والردود الواردة، وتحديد الجهات التي تفاعلت مع المطالب، والوقوف على ما تحقق وما لا يزال ينتظر المعالجة.
كما أن من شأن عقد لقاءات تنسيقية بين الجهات المعنية وممثلي أصحاب المطالب أن يساعد على توضيح الإشكالات، والتمييز بين الحالات التي تتطلب تسوية إدارية، وتلك التي تستدعي دراسة قانونية أو مالية خاصة، وصولاً إلى صياغة تصور عملي لمعالجة الملفات المتبقية.
ومن المهم، في هذا الإطار، ألا يتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات أو إلى تحميل المسؤولية لجهة بعينها دون معطيات موثقة، بل أن ينصب على تحديد الاختصاصات، وتوضيح الالتزامات، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.
ـ أي معنى للمصالحة دون استكمال الإنصاف؟
إن المصالحة ليست مجرد محطة تاريخية يتم استحضارها في المناسبات، بل هي مسار متواصل يستمد قوته من احترام الكرامة الإنسانية، وتكريس الثقة في المؤسسات، والعمل على معالجة الآثار التي خلفتها الانتهاكات.
وإذا كانت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة قد شكلت محطة مهمة في مسار العدالة الانتقالية بالمغرب، فإن الحفاظ على مكتسباتها يقتضي مواصلة العناية بالتوصيات التي لم يستكمل تنفيذها، وتقييم ما تحقق منها، وإيجاد الحلول المناسبة للملفات التي لا تزال تحتاج إلى معالجة.
ومن هذا المنظور، فإن الإدماج الاجتماعي والتسوية الإدارية والمالية ليسا مطلبين منفصلين عن فلسفة جبر الضرر، بل يدخلان ضمن الأبعاد التي أخذت بها المقاربة المغربية في معالجة آثار الماضي.
إن الغاية من جبر الضرر هي أن ينتقل الإنصاف من مستوى المبدأ إلى مستوى الممارسة، وأن يجد الاعتراف ترجمته في إجراءات واضحة، وأن تتحول التوصيات إلى حلول ملموسة حيثما تقتضيها الوقائع والضوابط القانونية.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه المذكرة المطلبية الموجهة إلى المؤسسات منذ 23 أكتوبر 2023 يظل مشروعاً وملحاً: ما الذي تحقق من المطالب المعروضة؟ وما الخطوات المطلوبة لاستكمال معالجة الملفات المتبقية؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين، استناداً إلى معطيات موثقة وحوار مسؤول، يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة، وصون الكرامة، وترسيخ المعنى الحقيقي للإنصاف والمصالحة.
ذ.مسعود العربي



