نعيمة ايت إبراهيم
تطوان
لم تكن الدورة السابعة والعشرون من مهرجان العود الدولي بتطوان، التي احتضنتها المدينة ما بين 29 و31 أكتوبر الماضي، مجرد موعد فني للاحتفاء بآلة العود والموسيقى المتوسطية، بل تحولت، في أعقاب انتقادات وجهتها الفنانة السوبرانو سميرة القادري، المديرة السابقة للمركز الثقافي بتطوان، إلى مناسبة لإعادة فتح النقاش حول تدبير الشأن الثقافي بالمدينة، وحدود الاستمرارية المؤسساتية، وضرورة الاعتراف بالمجهودات التي راكمت هوية المهرجان على امتداد خمسة وعشرين عاما.
ففي الوقت الذي استقطبت فيه هذه الدورة اهتماما فنيا، خاصة مع مشاركة الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة، الذي شكل حضوره إحدى أبرز محطات المهرجان، خرجت سميرة القادري بتدوينة مطولة حملت رسائل نقدية واضحة إلى القائمين على تدبير الدورة الحالية، معتبرة أن الذاكرة الثقافية لا ينبغي أن تخضع لمنطق القطيعة أو الاختزال، وأن تاريخ المهرجان أكبر من أن يختصر في أسماء أو إصدارات أو محطات عابرة.
القادري، التي عادت من باريس عقب استضافتها على قناة “فرانس 24″، اختارت أن تضع تجربتها المهنية والثقافية في سياق النقاش الدائر حول ذاكرة المهرجان، مستحضرة سنوات من العمل والتنسيق والعلاقات الفنية التي ساهمت، إلى جانب أطر وفاعلين آخرين، في إرساء هويته وتعزيز حضوره داخل المشهد الثقافي الوطني والدولي.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارتها، استحضارها محطات فنية وثقافية جمعت المهرجان بالموسيقار مارسيل خليفة، الذي سبق أن استضافته، بحسب روايتها، ثلاث مرات، وتوجت إحدى تلك المحطات بلقاء مفتوح احتضنته دار الثقافة بتطوان، بحضور أكثر من خمسمائة شخص، إلى جانب أسماء فنية وثقافية من بينها الموسيقي نصير شمة والمبدع إدريس الملومي، فضلا عن ندوة أكاديمية أدارها الأديب ياسين عدنان، تناولت التجربة الإبداعية لخليفة وتوجت بتوقيع ألبوم الأندلس.
وتؤكد القادري أن استحضار هذه المحطات ليس محاولة للمفاضلة بين المراحل، وإنما للتذكير بأن المهرجان راكم رصيدا من العلاقات والتجارب والأسماء الفنية التي ينبغي البناء عليها وتطويرها، لا التعامل معها باعتبارها صفحات قابلة للتجاوز. فالثقافة، وفق تصورها، مشروع تراكمي، والعمل المؤسساتي الحقيقي هو الذي يضمن انتقال التجارب وتطويرها من جيل إلى آخر.
ولم تتوقف انتقادات الفنانة المغربية عند مسألة التوثيق والاعتراف، بل امتدت إلى تغييب جائزة زرياب للمهارات عن الدورة الحالية، وهي الجائزة التي يمنحها المجلس الوطني للموسيقى، الشريك الرسمي لليونسكو، والتي تقول القادري إنها كانت مقررة للموسيقي السوري كنان العدناوي. واعتبرت أن غياب التنسيق والتواصل المؤسساتي مع الشركاء وضع بعض الأطراف في موقف محرج، خاصة في ظل وجود ترتيبات سابقة لتكريم أسماء فنية عربية ومغربية.
كما أعادت التدوينة إثارة تفاصيل مرتبطة بدورات سابقة، من بينها ما وصفته بعدم استقبال وفد سعودي كان قد تكبد عناء السفر إلى تطوان، في إطار ترتيبات مرتبطة بتكريم الفنان جوهر عبادي، معتبرة أن مثل هذه الوقائع تترك آثارا على صورة المهرجان وعلاقاته مع المؤسسات والتظاهرات الثقافية الشريكة.
ومن الملفات التي أثارتها القادري أيضا الإعلان عن إصدار كتاب يوثق ذاكرة مهرجان العود، إذ رحبت بفكرة التوثيق في حد ذاتها، لكنها شددت على ضرورة أن يكون العمل انعكاسا أمينا للتجربة الجماعية التي صنعت المهرجان، بمشاركة الفنانين والأطر الإدارية والإعلاميين والفاعلين الثقافيين والتقنيين، وكل من ساهموا في مساره على امتداد سنوات.
وفي هذا السياق، طرحت تساؤلات بشأن طبيعة المقاربة المعتمدة في إعداد الإصدار، ومدى استحضاره لمختلف المراحل والأسماء التي ساهمت في التأسيس والبناء، فضلا عن استعمال صور أرشيفية تعود إلى محطات تاريخية سابقة. وترى القادري أن الأرشيف ليس مجرد صور قابلة لإعادة التوظيف، بل وثيقة تاريخية تستوجب الدقة في تحديد سياقها وحفظ حقوق وذاكرة جميع المساهمين فيها.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية إضافية بالنظر إلى المسار المهني لسميرة القادري، التي التحقت بوزارة الثقافة سنة 1992، وراكمت تجربة امتدت لثلاثة عقود، ساهمت خلالها في تدبير وإشعاع عدد من التظاهرات الفنية والثقافية بتطوان، من بينها مهرجان العود الدولي ومهرجان أصوات نسائية ومهرجان العنصرة ومهرجان أليغريا، وفق ما أوردته في تدوينتها، مستحضرة أسماء فنية وموسيقية وازنة تعاملت معها خلال تلك المرحلة.
لكن ما تكشفه هذه الواقعة يتجاوز حدود الخلاف حول إدارة مهرجان أو إصدار كتاب توثيقي، ليضع أمام الفاعلين الثقافيين سؤالا أعمق يتعلق بكيفية تدبير الذاكرة المؤسساتية في المدينة. فالمهرجانات التي تعيش لعقود لا تبنى من جديد مع كل تغيير في المسؤوليات، ولا يمكن فصل نجاحها عن جهود الأشخاص والمؤسسات التي ساهمت في تأسيسها وتطويرها. كما أن التجديد لا يعني بالضرورة إلغاء ما سبقه، بل يفترض أن يكون امتدادا له وإضافة نوعية إلى رصيده.
ولعل هذه النقاشات تأتي في سياق ثقافي أوسع تعيشه تطوان، التي احتضنت خلال شهر أكتوبر الماضي ثلاث تظاهرات كبرى، هي مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط في دورته الحادية والثلاثين، والمهرجان الوطني للمسرح في دورته السادسة والعشرين، ثم مهرجان العود الدولي في دورته السابعة والعشرين. ورغم أهمية هذه المواعيد وعراقتها، فإن مستوى إشعاعها الإعلامي والجماهيري ظل محل تساؤل، كما رافقت بعض تفاصيل تنظيمها ملاحظات وانتقادات تستدعي الوقوف عندها.
وبين رهانات التنظيم، وضعف التواصل، وأسئلة التوثيق والاعتراف، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة أوسع لطريقة تدبير التظاهرات الثقافية، بما يضمن الانفتاح على الإعلام والفاعلين المحليين، واحترام الشراكات المؤسساتية، وصيانة الذاكرة الجماعية، وإشراك الجمهور باعتباره جزءا أساسيا من نجاح أي مشروع ثقافي.
فمدينة تطوان، التي اختارتها المؤسسات الثقافية المتوسطية عاصمة للثقافة والحوار لسنة 2026 بشراكة مع مدينة ماتيرا الإيطالية، لا تحتاج فقط إلى مهرجانات تحمل أسماء عريقة، بل إلى نموذج ثقافي يجعل من هذه التظاهرات فضاءات حقيقية للإبداع والتواصل والاعتراف، ويمنحها إشعاعاً يتناسب مع تاريخ المدينة ومكانتها.
في النهاية، قد تتغير الإدارات وتتبدل الرؤى والبرامج، لكن الذاكرة الثقافية لا ينبغي أن تتغير بمنطق المحو والانتقاء. فالمهرجان الذي يصنعه العمل الجماعي لا يمكن أن ينسب إلى مرحلة واحدة، والمشعل الذي ينتقل بين الأجيال يفترض أن يحمل معه ما أنجز، لا أن يبدأ من نقطة الصفر.