المركز المغربي للديمقراطية والأمن: دينامية التحضير التشاورية لورشة سوس ماسة – مصطفى المنوزي

في إطار التحضير التشاركي والنقدي للورشة التي سينظمها المركز المغربي للديمقراطية والأمن بجهة سوس ماسة تحت تيمة:”فعلية الحق في التعبير والتظاهر والتجمع، نحو تحيين أسئلة الحكامة الأمنية في السياق المغربي ”
أقترح عليكم المساهمة تشاركيا من خلال التفاعل مع حلقات سأنشرها تباعا في أفق بلورة أرضية توافقية وذلك لملامسة بعض الأسباب غير المباشرة لما يجري من تحولات كمية ونوعية حثيثة؛
وإليكم الحلقة الثانية مع التنويه أن مقالاتي السابقة لا تخرج عن النسق العام ولذلك يمكن الإستئناس بها لكل غاية معرفية مفيدة.
الحلقة الثانية
بين طوفان الأقصى وانتفاضة جيل زد المغربي أو من الزمن الرمزي إلى السياق الفعلي
عندما تغيب المعطيات الدقيقة، وتُحجب المعلومة أو تُحتكر، لا يسع الباحث عن الحقيقة إلا أن يُعوِّض بالافتراض، ويعتمد تفكيرًا توقعيًا يستند إلى الربط السياقي والقراءة الاستباقية للوقائع. فالمعرفة هنا لا تقوم على يقين الوثيقة، بل على تركيب الإشارات واستنطاق الدلالات، بحثًا عن منطقٍ خفيٍّ يحكم حركة الواقع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجيلٍ يتشكّل في الظل، وحدثٍ أعاد ترتيب خرائط الوعي الكوني.
من هذا المنطلق، يصبح التساؤل مشروعًا:
لماذا خرج جيل زد المغربي (212) إلى الفضاء العمومي الحقيقي في هذا التوقيت بالذات؟
وهل كان تزامن ظهوره مع حلول الذكرى الثانية لواقعة السابع من أكتوبر 2023، المسماة طوفان الأقصى، محض صدفة زمنية، أم تعبيرًا عن لحظة تحوّل في الوعي الجمعي الشبابي، وعن رغبة في استعادة زمام المعنى والقدرة على الفعل من داخل الواقع المحلي المتردد؟
إن الربط بين الزمنين – زمن الحدث وزمن الجيل – ليس افتراضًا تعسفيًا، بل محاولة لفهم كيف ينتقل الأثر الرمزي إلى الحقل الاجتماعي، وكيف يتحول حدث بعيد جغرافيًا إلى محفّز ذاتي في المخيال السياسي المحلي.
لكن قبل النبش في طبيعة العلاقة، لا بد من الوقوف على السياق المحيط بواقعة السابع من أكتوبر، واستعراض أبرز أسبابها المباشرة والعلنية.
الأسباب المباشرة والعلنية لواقعة 7 أكتوبر 2023 :
واقعة طوفان الأقصى لم تكن عملاً مفاجئًا في فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم اختناق سياسي وإنساني، وتعبيرًا عن تحوّل جذري في منطق الفعل المقاوم، إذ تداخلت فيها أربعة مستويات رئيسية:
1. الانسداد السياسي الشامل:
بعد ثلاثة عقود من مفاوضات عبثية وتوسّع استيطاني متواصل، وصل مشروع “حل الدولتين” إلى نهايته الفعلية، وتحول “السلام” إلى غطاء لإدارة الاحتلال لا لإنهائه. فكان الانفجار تعبيرًا عن نهاية الوهم التفاوضي وبداية زمن جديد للمواجهة.
2. تحوّل المزاج الشعبي الفلسطيني:
جيل فلسطيني جديد، وُلد في زمن الحصار والرقمنة، لم يعد يراهن على وسطاء ولا على مؤسسات فاقدة للثقة، بل اختار الصدمة الرمزية كأداة لإعادة طرح السؤال الأخلاقي على العالم بأسره.
3. السياق الإقليمي المتحوّل:
موجة التطبيع العربي التي سبقت الحدث بأشهر قليلة شكّلت لدى الفلسطينيين والعرب وعيًا بالخذلان، فكان الردّ من الداخل: طوفان يعيد مركزية القضية في وجدان الشعوب، ويكسر منطق التجاهل الذي حاولت الأنظمة ترسيخه.
4. الاستفزاز الممنهج في القدس والمسجد الأقصى:
تصاعد اقتحامات المستوطنين، وتهويد المشهد الرمزي للمكان، وتحريض التيار الديني اليميني في إسرائيل، جعل من الانفجار مسألة تاريخية محتومة، لا قرارًا ؛ وبهذه العوامل الأربعة تهيّأ المسرح لحدثٍ تجاوز طبيعته العسكرية، ليصبح رسالة كونية أعادت تعريف مفاهيم مثل المقاومة، الشرعية، والكرامة.
ومن هنا تتضح معالم الارتجاج الرمزي الذي التقطه جيل زد المغربي: فكما مثّل طوفان الأقصى لحظة استعادة للكرامة في الفضاء العربي، مثّل خروج الجيل المغربي إلى الشارع لحظة استعادة للمعنى داخل الفضاء الوطني.
كلاهما تحرك بدافع التحرر من السردية الرسمية ومن وهم الانتظار، وكلاهما يعكس رغبة في الاعتراف والفعل والتجاوز، ضمن عالم تتصارع فيه السرديات وتتنازع فيه شرعية المعنى أكثر من شرعية القوة.
مصطفى المنوزي
الحلقة القادمة
“” من الممر الهندي إلى سابع أكتوبر أو حين تتقاطع السرديات الجيوسياسية مع انتفاضة جيل زد “”




