مجتمع

تخفيضات مشروطة: الحق في التنقل بين البطاقة غير الموجودة والاستثناءات العجيبة والغريبة، وهل أصبح الشخص الكفيف رهينة مرافقه؟ تساؤلات حول الاستقلالية والحق في التنقل

  بقلم حميد قاسمي-تنوير

أصدر المكتب الوطني للسكك الحديدية، بتاريخ 28 يناير 2026، دورية تقضي بمنح تخفيض بنسبة خمسين في المائة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، والمكفوفين وضعاف البصر ومرافقيهم، على متن قطارات البراق وقطارات الأطلس، مع استثناء القطارات TNR المكوكية التي تربط بين القنيطرة والدار البيضاء الميناء خلال أوقات الذروة.
الدورية نفسها ألزمت الشخص الكفيف بالسفر رفقة مرافق، ومنعت الاستفادة من التخفيض داخل القطار، وربطت الحق بمساطر إدارية معقدة تسبق عملية السفر كبطاقة معاق.

… انتهت الدورية.
لكن ما لم ينتهِ هنا هو الانتهاك.

لسنا أمام مبادرة اجتماعية، بل أمام قرار إداري يُنازع الدستور في سلطته، ويُخاصم الاتفاقيات الدولية في جوهرها . دورية لا تُيسّر الحق، بل تُعيد تعريفه وفق منطق المؤسسة لا منطق المواطنة، وتجعل من الإعاقة سببا إضافيا للتضييق بدل أن تكون مدخلا للحماية. السؤال الذي يُفجّر النص من داخله: كيف تطالبون المواطن ببطاقة إعاقة… وهي لم تصدر بعد؟

كيف تُعلّقون حق التنقل على وثيقة غير متوفرة؟
وبأي أساس قانوني تُحمّلون الشخص في وضعية إعاقة وزر تأخر إداري تتحمل مسؤوليته الدولة نفسها؟
أليس هذا خرقا لمبدأ القانون، وضربا لمبدأ المساواة أمام المرفق العمومي، كما ينص على ذلك الفصل السادس من الدستور؟

ثم لماذا استثناء القطارات TNR المكوكية خلال أوقات الذروة ؟!!
أليست هذه الفترات هي زمن الطلبة، وزمن العمال، وزمن الموظفين؟
أم أن الإدماج الاجتماعي يُمارَس فقط حين لا يُربك التدبير ولا يضغط على المقاعد؟

هذا الاستثناء ليس بريئا،
بل تمييز زمني صريح،
يناقض الفصل 31 من الدستور، الذي يضمن ولوج المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، إلى الخدمات العمومية.

أما إلزام الشخص الكفيف بمرافق، فهو انتهاك صارخ ومباشر لمبدأ الاستقلالية، كما تقرّه اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صادق عليها المغرب، والتي تؤكد في مادتها الثالثة على احترام الاستقلال الذاتي والحرية الفردية.

من منحكم سلطة نزع أهلية التنقل عن شخص راشد؟ ..
ومن خوّل لكم فرض الوصاية باسم الحماية؟ ..
وهل أصبح الحق في الحركة مشروطا بإثبات العجز لا بالاعتراف بالمواطنة؟ ..

وهل يُعقل إلزام الشخص الكفيف بالسفر برفقة مرافق إذا لم يجد من يرافقه؟
وماذا عن شخص يدرس أو يعمل؟ هل ملزم بإحضار مرافق إلى الكلية أو مكان العمل؟
وهل يعقل أن يتحول هذا الحق الأساسي إلى عبء إضافي على المواطن الأكثر حاجة للحماية؟

ثم لماذا منع الاستفادة داخل القطار ؟
هل يتحول الحق إلى خطأ إن لم يُمارَس في الشباك؟
أم أن الهدف الحقيقي هو تقليص عدد المستفيدين لا توسيع دائرة الإدماج؟

إن هذه الدورية لا تُخالف فقط روح الدستور،
بل تتعارض صراحة مع الفصل 34 منه، الذي يُلزم السلطات العمومية بوضع سياسات خاصة تضمن الإدماج الكامل للأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وأي إدماج هذا الذي يبدأ بالاستثناء،
ويُدار بالمنع،
ويُختَم بالوصاية والإستفزاز؟

خاتمة القول: موجَّهة إلى الحكومة والبرلمان إلى الحكومة:
أنتم مسؤولون، سياسيا وأخلاقيا، عن كل دورية تُفرغ الحقوق من مضمونها. الصمت عن هذا القرار ليس حيادا، بل مشاركة ضمنية في الإقصاء . مراجعة هذه الدورية لم تعد خيارا، بل واجبا دستوريا.

إلى البرلمان:
أين أنتم من دوركم الرقابي؟
كيف تمرّ دورية تمس حقا أساسيا دون مساءلة؟
وأي معنى للتشريع إذا تُركت المؤسسات العمومية تُعيد صياغة الحقوق بقرارات حسب هواها؟

إن الحق في التنقل ليس امتيازا،ولا منحة ظرفية،ولا رقما في جدول التخفيضات.

إنه حق دستوري أصيل،وأي مساس به، تحت أي ذريعة،هو مساس بجوهر الدولة الاجتماعية التي يدّعي الجميع الانتماء إليها.

أما هذه الدورية،فليست سياسة اجتماعية،بل وثيقة اتهام قائمة بذاتها،
تنتظر فقط من يملك الشجاعة السياسية لإسقاطها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى