اقتصاد

المغرب يواجه تحدي إنتاجية الاستثمارات ويتطلع إلى تخفيض نسبة التضخم

أحمد رباص ـ تنوير
تضخم تحت السيطرة، سياحة بأرقام قياسية، احتياطيات مريحة من العملة الصعبة، واستثمارات ضخمة: يمتلك المغرب مقومات اقتصادية شاملة وقوية لتمضية عام 2026 بسلام، وفقا لتقرير «آفاق السوق الإفريقية» الصادر عن شركة هيليوس للاستثمار. ومع ذلك، يشير المستثمر الرأسمالي القاري إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المملكة على تحويل دورة الاستثمار الطموحة – التي يدعمها بشكل خاص كأس العالم 2030 – إلى مكاسب إنتاجية مستدامة، مع الحفاظ على الانضباط المالي.
سوف يجتاز المغرب عام 2026 بإطار اقتصادي شامل وملائم وأقوى مقارنة بالعديد من نظرائه وأالناشئين والإقليميين. وتستفيد المملكة من بيئة تتسم بتراجع التضخم، صلابة مصداقية السياسات العامة و دورة استثمارية مستدامة من خلال مشاريع البنية التحتية الكبرى المتوافقة مع الأولويات الوطنية طويلة المدى. وهذا ما ينبثق من تقرير “توقعات السوق الإفريقية 2026″، الذي نشرته شركة هيليوس إنفستمنت بارتنرز، وهي فاعل رئيس في الأسهم الخاصة بالقارة الإفريقية. بالنسبة إلى هيليوس، لم تعد المسألة المركزية هي مسألة استقرار الاقتصاد الكلي، المكتسب الآن، بل مسألة التنفيذ: كيفية تحويل الاستثمارات العامة والخاصة إلى مكاسب الإنتاجية المستدامة مع إبقاء مسار الميزانية تحت السيطرة؟
هيليوس تتوقع نموا حقيقيا في الناتج المحلي الإجمالي المغربي من 4.2% عام 2026. ومن جانبها، تعرض الحكومة هدفاً بنسبة 4.5%، بما يتفق مع أجندة إنعاش الميزانية والإصلاح. النشاط غير الزراعي – الصناعة، البناء، اللوجستيك والخدمات – يجب أن تشكل المرساة الرئيسية للنمو، في حين تظل الزراعة المصدر الرئيس للتقلبات. ويستفيد النمو من دورة استثمارية تشمل البنية التحتية واسعة النطاق والمرتبطة بها كأس العالم لكرة القدم 2030 وكذلك القطاعات المدرة للعملة مثل السياحة والتحويلات المالية.
أحد الأصول الرئيسية للمغرب يكمن في دينامياته التضخمية. بعد صدمات العرض في السنوات الأخيرة، انخفض التضخم بشكل حاد وينبغي أن يستمر احتواؤه طيلة 2026. يتوقع بنك المغرب حدوث تضخم بنسبة منخفضة، مما يمنح المملكة “مساحة للمناورة أكبر مما لدى العديد من أمثالها للحفاظ على معايير السياسة الصديقة للنمو مع صون المصداقية النقدية”. هذا الوضع يسمح أيضا بتتبع الإصلاحات الهيكلية والعملياتية للبنك المركزي، في أفق الانتقال التدريجي إلى إطار أكثر تقعيدا لاستهداف التضخم.
ويظل تماسك الميزانية إحدى ركائز توقعات عام 2026. مشروع قانون الميزانية يتطلع إلى تسجيل نسبة عجز تقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض عن مستويات ما بعد الصدمة. وتشير هيليوس إلى أن هذا التوجه “يؤكد الاستمرارية السياسية ويدعم مصداقية المغرب لدى المستثمرين ووكالات التصنيف”.
سوف تكمن التحديات الرئيسية في تحصيل الإيرادات، التحكم في المساعدات والإنفاق الاجتماعي، و القدرة على زيادة الاستثمارات دون المساس بأهداف العجز المسطرة. وفي ما يتعلق بالإنفاق الاجتماعي، يسلط التقرير الضوء على الاستثمارات الضخمة في الصحة والتعليم. بالفعل، تخصص ميزانية المغرب لعام 2026 140 مليار درهم (حوالي 15 مليار دولار) لهذين القطاعين بزيادة قدرها 16% على أساس سنوي. وتهدف هذه الموارد بشكل خاص إلى تعزيز البنية التحتية الصحية ودعم مبادرات إنتاج الأدوية واللقاحات المحلية، كجزء من استراتيجية لتقليل الاعتماد على الواردات والحماية من صدمات أسعار الصرف.
وتؤكد هيليوس أن هذا الموقف المالي يعكس أيضًا أولوية حكومية متزايدة للتعليم، في سياق تتجه فيه إفريقيا نحو أكبر عدد من السكان في سن العمل في العالم.
على مستوى التجارة الخارجية، ما يزال موقف المغرب يعتبر إيجابيا بشكل عام، وما تزال الإيرادات المتأتية من الخدمات، وخاصة تلك المتأتية من السياحة، وكذلك تحويلات المغاربة الذين يعيشون في الخارج، تعوض جزئيا العجز التجاري الهيكلي، وتتفاقم في بعض الأحيان بسبب واردات السلع الرأسمالية المرتبطة بالاستثمار. ويسلط التقرير الضوء على أن هذه الدينامية ساهمت في الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي عند مستويات مريحة، تغطي أكثر من خمسة أشهر من الواردات وفقا للتقييمات الأخيرة.
وبالنظر في التحليلات الصادرة عن صندوق النقد الدولي يبدو كذلك الدور الذي تلعبه هذه التدفقات في تحقيق الاستقرار جليا، جنباً إلى جنب مع التزام السلطات بالتحقيق التدريجي لتماسك الميزانية وخفض الديون.
ويبدو أن السياحة هي إحدى الدعائم الرئيسية للوضعية الاقتصادية بحلول عام 2026؛ حيث استقبل المغرب 19.8 مليون سائح خلال 2025، مع تسجيل زيادة قوية في إيرادات السياحة. ويشكل هذا الأداء مصدرا رئيسيا للعملة الأجنبية ومناصب الشغل وكذا للطلبيات المحلية في العديد من قطاعات الخدمات. في هذا السياق، يرى التقرير أن خطر حدوث توترات كبيرة على ميزان المدفوعات في عام 2026 ما يزال محدودا. وتظل الحساسيات الرئيسية مرتبطة بتطور معدلات التبادل التجاري، وخاصة في ما يتعلق بالفوسفاط والطاقة، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الأوروبي.
وبحسب هيليوس، فإن توقعات الاقتصاد الكلي للمغرب لعام 2026 تتميز بـ “الاستقرار بدلا من التسارع”. وتكمن الإمكانات الصعودية في ديناميات السياحة المستدامة، والتنفيذ الناجح للدورة الاستثمارية في البنية التحتية والمنصات الصناعية، فضلا عن الحفاظ على مصداقية السياسة الاقتصادية لاحتوائها أقساط المخاطر السيادية. وتنشأ المخاطر السلبية في المقام الأول من التقلبات المناخية التي تؤثر على الزراعة، وضعف النمو في منطقة اليورو الذي ينتقل عبر قنوات التجارة والسياحة، والتقلبات في أسعار السلع الأساسية، ومخاطر التنفيذ التي قد تخفف من مكاسب الإنتاجية المتوقعة من الاستثمارات التي تم إنجازها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى