اخرى

من الاستماع إلى التأثير: قصة كفيفٍ مع الأثير

 

بقلم:حميد قاسمي-

اليوم العالمي للإذاعة، الذي ، لا أحتفي بجهازٍ ولا أسترجع مجرد ذكريات عابرة؛ بل أعود إلى أصل تكوين، طفولتي المشاغبة والمشاكسة والبسيطة في نفس الوقت التي كانت ترى في الراديو مدرسةً مفتوحة، وفضاء صوتيًا واسعًا، ورفيقًا لا يخون.

منذ نعومة أظافري كنتُ مدمنًا بالإذاعة إدمانًٍ رهيبًا كان الراديو عندي أعظم من لعبة، وأقرب من صديق. كلما أمسكتُ ذلك الجهاز العجيب، انطلقتُ في خيالٍ لا تحدّه حدود: من هؤلاء الذين يتحدثون؟ في أي مدينة يجلسون؟ كيف تعبر أصواتهم البحار والصحارى لتستقر في أذني؟ كنتُ أعيش مع الصوت أكثر مما أعيش مع الصورة؛ أبني العوالم من نبرات، وأرسم الملامح من طبقات الصوت.

وفي سنة 1988، كتبتُ أول فصلٍ متمرّد من علاقتي بالأثير.

كان خالي إدريس – المختفي منذ فبراير سنة 2002، وما يزال غيابه جرحًا مفتوحًا في الذاكرة إلى حد الآن، – يملك جهاز راديو صغيرًا، يحتفظ به عند رأسه، وينام على صوته. كنتُ أرقبه كما يُراقَب اللص غنيمته. ذات ليلة، وقد استسلم للنوم، تسللتُ إلى غرفته بخطى حذرة، ومددتُ يدي إلى الراديو من إحدى وسادته، وانتزعته في لحظةٍ خاطفة. خرجتُ مسرعًا أضمّه إلى صدري؛ لم تكن لي جيوب، فقد كنتُ صغيرًا جدًا، فكان صدري خزانتي الأولى. وضعته في كيسٍ من ورق، وخبأته بعناية في “ماريُّو جدتي رحمها الله”. يومان كاملان وخالي المسكين يبحث عنه، يسأل ويُفتّش ولا يعثر على أثر.

لم تكن سرقةً بقدر ما كانت شهوة معرفة، واندفاع عشقٍ جنوني لا يعرف الانتظار. كنتُ أسترق السمع إليه في الخفاء، وأعيد إخفاءه كأنني أحمي سرًا غريبًا هناك، في عتمة الخزانة، كانت تتشكل هويتي الأولى.

كبرتُ، وكبر الحلم معي. لم يعد السؤال: من هؤلاء الذين يتحدثون؟ بل صار: متى أكون واحدًا منهم؟ كان حلمي أن أتكلم في الإذاعة، أن أعبر من ضفة الاستماع إلى ضفة التأثير.

وتحقق الحلم.

شاركتُ في عدة برامج عبر الإذاعة المركزية ب الرباط والإذاعات الجهوية، بل وحتى عبر بعض الإذاعات العالمية. كنتُ أراسلهم بالرسائل الورقية، في زمنٍ سابقٍ لسطوة الهواتف الذكية وتطبيقات التراسل الفوري. غير أنني لم أكن أكتب بيدي؛ كوني شخصٌ كفيف البصر، عاجزًا عن تخطيط الحروف، لكنني لم أكن عاجزًا عن صناعة الفكرة. كنتُ أملي كلماتي على من يكتبها لي، ثم تُطوى الرسالة في ظرفٍ عليه طابع بريدي وتُنقل إلى مراكز البريد. هنا لا بد من كلمة شكر وامتنان لمن كانوا يخطّون تلك الرسائل ويساعدونني في إيصالها؛ كانوا شركاء في الحلم، وإن ظلّت أسماؤهم خارج الأثير.

من بين التجارب التي أعتز بها مشاركتي في برنامج همزة وصل عبر أثير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي بالقسم العربي)، الذي كان يعدّه ويقدّمه الإعلامي المصري محمود المسلمي ، رحمه الله، الذي وافته المنية بعد أشهر من إغلاق القسم العربي لهذه الإذاعة العريقة. كانت لحظة سماع اسمي عبر موجات تلك المدرسة الإعلامية لحظة اعتراف رمزي بأن الحلم ليس ترفًا.

كما شاركتُ في برنامج نافدة للمستمعين على أثير دويتشه فيله الألمانية، الذي كان يعدّه ويقدّمه الإعلامي الأردني عبد القادر زهير . هناك أدركتُ أن المستمع ليس رقمًا في جدول يقاس به نسبة الإستماع، بل عقلًا يُحاور، ويضيف، ويقترح.

ولا أنسى مشاركتي الغزيرة في برنامج نبض الشارع عبر أثير الإذاعة الفرنسية مونت كارلو الدولية ؛ كان فضاءً حيًا يعكس هموم المواطن العربي وتطلعاته.

أما الإذاعات المغربية، الرسمية منها والخاصة، فقد كان لي معها حضور ممتد؛ عبر الرسائل أولًا، ثم عبر التواصل المباشر حين ظهور الهاتف النقال كنتُ أؤمن أن الإذاعة ليست منبرًا للظهور فحسب، بل مساحة لبناء وعيٍ مشترك.

وفي سنة 2011، زرتُ أول إذاعة إذاعة إم إف إم مراكش بدافع حب الاستكشاف. دخلتُ الاستوديو، ولم أره بعيني، لكنني أدركته بحواسي كلها؛ سمعتُ أزيز الأجهزة، ولمستُ برودة الطاولة ونعومتها، وتتبعتُ حركة الصوت بين الميكروفون ولوحة المزج الصوتي. تعرّفتُ على المكونات والتجهيزات والأطر الإعلامية، وكيف تُدار العملية من خلف الزجاج في منتهى الدقةٍ والانضباط. يومها تأكد لي أن الأثير ليس معجزةً عشوائية، بل صناعة تُبنى على احتراف.

هكذا بدأتُ الحكاية بسرقة راديو صغير من عند رأس خالي، وانتهت بأن صار لي صوتٌ يعبر الحدود. من طفلٍ يُخبئ جهازًا في خزانة، إلى شابٍ يُملي رسائله لأن البصر غائبٌ لكن البصيرة حاضرة، إلى مشاركٍ يُسمَع صوته في عواصم عالمية بعيدة.

لقد كان الراديو في حياتي بصرًا بديلًا، ومدرسة انضباط، وجسرًا نحو العالم. علّمني أن الرؤية ليست حكرًا على العين، وأن الصوت الصادق قادرٌ على أن يفتح نوافذ لا تُغلق. وفي كل يوم عالمي للإذاعة، أبتسم لذلك الطفل الذي سرق جهازًا صغيرًا… ولم يكن يدري أنه إنما يسرق قدره الجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى