ثقافة و فن

“تهرگاويت” أو عندما تكتفي الكوميديا بتدوير الألم على حساب التنوير والتحرر

أحمد رباص ـ تنوير
تحدث حسن الفد بإسهاب خلال ندوة في معرض الكتاب عن مفهوم “تهرگاويت” الذي بات شهيراً، والذي ساهم هو نفسه في نشره. ووفقاً له، فـ”تهرگاويت” ظاهرة اجتماعية تُظهر قلة الأدب المتأصلة في سلوك شريحة من المجتمع.
في قاعة ابن بطوطة بمعرض الرباط الدولي للنشر والكتاب، اختار حسن الفد أن يتناول أحد أكثر المصطلحات إثارةً للجدل في الخطاب الاجتماعي والثقافي المغربي المعاصر.
خلال نقاش مفتوح عُقد يوم السبت الأخير، تحدّى الكوميدي – وهو شخصية بارزة في المشهد الكوميدي الوطني لعقود – التفسيرات المُختزلة لمصطلح “تهرگاويت”، مُقدّماً تعريفاً اجتماعياً أراده أن يكون واضحاً.
وقال أمام جمهور غفير: “لا يُمكن اختزال ‘تهرگاويت’ إلى سلوكٍ مُتمرد أو قطيعة مع القيم”. ووفقاً له، فهو “وصف اجتماعي” يعكس نمطاً مُعيناً من التعبير وعلاقة مُعينة بالعالم داخل المجتمع المغربي – لا أكثر ولا أقل.
يتناقض هذا التفسير بشكلٍ حاد مع المعنى السلبي الذي اكتسبه المصطلح تدريجياً في النقاشات العامة وعلى المنصات الرقمية.
أكد حسن الفد أيضًا على أهمية التمييز الواضح بين “تهرگاويت” الحالية وحركات الاحتجاج التي اجتاحت المغرب في سبعينيات القرن الماضي. وذكّر الحضور بأن تلك الحركات كانت متجذرة في سياقات سياسية وثقافية محددة تختلف تمامًا عن الواقع الذي يشمله المصطلح اليوم.
يعرّف الفد “تهرگاويت” بأنه ظاهرة حديثة، مرتبطة بتحولات اجتماعية حديثة: التوسع الحضري السريع، وإعادة تشكيل الهويات الجيلية، وظهور رموز ثقافية جديدة في أحياء الطبقة العاملة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
من هذا المنطلق، يرى الفد أن الخلط بين “تهرگاويت” وشكل من أشكال الانحراف الأخلاقي أو الفكري يُعد خطأً منهجيًا، إذ يُحكم على ظاهرة اجتماعية باستخدام تصنيفات لا تنطبق عليها.
من جهة أخرى، أتاحت ندوة المعرض الدولي للنشر والكتاب فرصةً لبادرةٍ رمزيةٍ بالغة الأهمية: توقيع عملٍ جماعيٍّ أعدّه باحثون وأكاديميون تكريمًا للمسار الفنية لحسن الفد. يحمل هذا الكتاب عنوان “مشروع حسن الفد الفكاهي: وجهات نظر متقاطعة”، ويُمثّل اعترافًا مؤسسيًا نادرًا في الأوساط الأكاديمية المغربية، حيث يرتقي فنانٌ كوميديٌّ إلى مرتبة موضوعٍ جادٍّ للدراسة، جديرٍ بتحليلٍ يُركّز على الذاكرة الجماعية، والتماسك الاجتماعي، وعلاقة أعماله بالمقدس.
لكن السؤال الذي يفرض ذاته هو: لماذا يتحدث الناس مؤخرًا عن هذه الظاهرة وكأنها جديدة؟
في الثمانينيات والتسعينيات، كانت تلك الظاهرة تطلق عليها أسماءً مختلفة ما تزال مستخدمة حتى اليوم. ففي السابق، كانت تعرف بأسماء مثل “هيتشبيتش” و”إلهبيتش” و”بوزيبال” و”بوزي”، وحتى كلمة “هرگاوي” كانت شائعة الاستخدام.
أثار هذا الاستخدام لكلمة من اللغة العامية جدلاً واسعاً حول حدود الكوميديا. في هذا السياق، شنّ الصحفي حميد المهدوي انتقاداً حاداً للفنان الكوميدي حسن الفد، متسائلاً عن سبب عدم انتقاد الأخير لـ”الزلايجية” أو “الفراقشية”، في إشارة إلى فئات معينة، معتبراً أن أعماله الفنية تتجنب قضايا جوهرية.
وطرح المهدوي، عبر شريط فيديو جديد، تساؤلات حول طبيعة انتقادات حسن الفد في أعماله الفنية، مشيراً إلى “تهركاويت” كدالة رمزية على طبيعة انتقاداته.
وتأتي تعليقات المهدوي في وقت يواجه فيه الفد انتقادات من بعض المتابعين حول طبيعة المواضيع التي يتناولها، معتبرين أن انتقاداته للواقع “سطحية”.
كما أثار النقاش حول كلمة “تهرگاويت” جدلاً واسعاً بين من يرى فيها انتقاداً فنياً، ومن يعتبرها استهدافاً لشخصيات معينة، مما دفع موقعا إخباريا مغربيا إلى طرح تساؤل حول حدود الكوميديا.
وفي المقابل، دافع حسن الفد عن رؤيته الفنية، مؤكداً أن عمله يرتكز على صناعة الفرجة وليس البحث التاريخي أو الوثائقي، محاولاً تقديم شخصيات مرجعية تعكس الواقع اليومي.
في النهاية، تظل كلمة “تهركاويت” تعبيراً عن مفترق طرق تعيشه الكوميديا اليوم: بين أن تكون أداة تنوير وتحرر، أو مجرد وسيلة لإعادة تدوير الألم في قالب ساخر. وبين هذين الخيارين، يتحدد دور الفنان الكوميدي وتتحدد أيضاً ملامح الوعي الذي يُصنع على خشبة الضحك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى