بقلمي ذ.عبد اللطيف رقيق
يُعدّ ملف الجنسية من أكثر الملفات القانونية حساسيةً وتشعّباً في الفضاء السياسي المغربي، إذ يتقاطع فيه البُعد الحقوقي مع الحساسية الجيوسياسية ومتطلبات الأمن القومي. وقد أثار الملتمس التشريعي الرامي إلى منح الجنسية المغربية لأبناء وأحفاد اليهود المغاربة موجةً واسعة من الجدل في الأوساط الأكاديمية والسياسية والمجتمعية، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع استمرار العدوان على غزة وتصاعد المخاوف من تداعيات مسار التطبيع بين المغرب وإسرائيل.
بيد أن ثمة سؤالاً جوهرياً تغافل عنه كثير من المحللين: إذا كان القانون المغربي يُسقط الجنسية تلقائياً عمّن تجنّد في جيش أجنبي، فلماذا كل هذا الجدل؟ وما الذي يضيفه الملتمس على ما هو قائم أصلاً؟ تتوقف هذه الدراسة عند هذا السؤال بالتحليل، وتسعى إلى الكشف عن الطبقات المتعددة التي تجعل من هذا الملتمس أكثر من مجرد إجراء إداري.
يهدف هذا المقال إلى تحليل الإطار القانوني الناظم لهذا الملتمس، والوقوف على صلته بقانون الجنسية المغربية المعمول به، وتفكيك الخلط الشائع بين الإسقاط التلقائي للجنسية والواقع التطبيقي، واستشراف المخاطر المحتملة على بنية المؤسسات الوطنية.
أولاً: الملتمس التشريعي
— ما هو وكيف نشأ؟
في أكتوبر 2024، تلقّت البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة المغربية ملتمساً تشريعياً يدعو إلى تعديل قانون الجنسية بما يُتيح منحها لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة الذين هاجروا. وقد أُعيد تداول الملتمس مطلع 2026 بوصفه جديداً، مما استدعى تدخلاً حكومياً لتصحيح المعلومات.
وسارعت الحكومة على لسان المتحدث الرسمي مصطفى بايتاس إلى نفي أي طابع رسمي للملتمس، مؤكدةً أنه لا يمثّل مشروع قانون حكومياً بل مجرد مبادرة مواطنة لم تجمع سوى عشرين توقيعاً من أصل عشرين ألفاً يُوجبها القانون.
ملاحظة جوهرية: هذه هي المحاولة الثانية لتمرير ملتمس مماثل، بعد أن فشلت المحاولة الأولى في جمع التوقيعات الكافية. وجود إرادة منظمة خلف هذه المبادرة المتكررة يُعدّ في حد ذاته مؤشراً يستوجب التأمل.
والجدير بالذكر أيضاً أن عضوة لجنة العرائض بمجلس النواب نادية التهامي أكّدت أن مجلس النواب ومكتبه لم يتوصلا بأي ملتمس، مما يعني أن الجدل الإعلامي الواسع كان في جانب كبير منه مبنياً على قراءة مغلوطة لمضمون ما نُشر على البوابة الرقمية.
ثانياً: الإطار القانوني
— قانون الجنسية وتحولاته
1. الأصل التاريخي: ظهير 1958
يرتكز قانون الجنسية المغربية على الظهير الشريف الصادر في السادس من سبتمبر 1958، الذي يُقرّ بمبدأ التوارث الدموي للجنسية عبر كلا الأبوين أو عن طريق الميلاد في التراب المغربي. وقد ظل هذا القانون لعقود يمنح الأب وحده حق نقل جنسيته إلى أبنائه.
2. تعديل 2007 منح الأم حق النقل
شكّل القانون رقم 62.06 الصادر سنة 2007 منعطفاً حاسماً، إذ أضاف إلى الفصل السادس بنداً ينص على أن كل ولد يُولد من أم مغربية يُعدّ مغربي الجنسية بقوة القانون، بصرف النظر عن جنسية الأب أو ديانته. وقد كان هذا التعديل جزءاً من منظومة إصلاحات حقوقية أشمل، كان أبرزها مدونة الأسرة.
وعملياً، يعني هذا أن أبناء وأحفاد اليهوديات المغربيات المهاجرات يندرجون ضمن نطاق هذا القانون، ولهم نظرياً الحق في المطالبة بالجنسية المغربية دون حاجة إلى أي قانون جديد.
3. شروط فقدان الجنسية
— البند المحوري
ينص الفصل التاسع عشر من القانون على أن المغربي الذي يشغل وظيفة في جيش أجنبي بما يتعارض مع المصلحة الوطنية يفقد جنسيته إذا استمر في ذلك أكثر من ستة أشهر بعد إنذار الحكومة. وهذا البند هو جوهر الجدل، لكن فهمه الصحيح يتطلب التمييز بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
ثالثاً: فك الاشتباك
— لماذا لا يُسقط القانون الجنسية تلقائياً؟
هذا القسم يُجيب عن السؤال الجوهري: إذا كان القانون يُسقط الجنسية عمّن تجنّد في جيش أجنبي، فلماذا الجدل أصلاً؟
1. الإسقاط مشروط وليس تلقائياً
الخطأ الشائع في قراءة القانون هو افتراض أن فقدان الجنسية يقع تلقائياً بمجرد التجنيد. الحقيقة أن النص يُوجب مرحلتين: أولاً إنذار رسمي من الحكومة المغربية للشخص المعني، وثانياً استمراره في التجنيد أكثر من ستة أشهر بعد هذا الإنذار. وبغياب الإنذار لا يقع الإسقاط.
2. الإنذار لم يُطبَّق قط بشكل منهجي
في الواقع التطبيقي، لم تُصدر الحكومة المغربية إنذارات منهجية لحاملي جنسيتها ممن تجنّدوا في جيوش أجنبية، سواء في إسرائيل أو في دول أخرى. هذا الفراغ التطبيقي خلق وضعاً استثنائياً: أفراد يحملون نظرياً الجنسيتين في الوقت ذاته، إحداهما مغربية لم تُسقَط فعلياً، والأخرى إسرائيلية مرتبطة بالتجنيد الإلزامي.
3. الملتمس يسعى إلى تقنين الواقع لا تغييره
هنا تكمن الخطورة الحقيقية للملتمس. فهو لا يُقدّم جديداً من حيث المضمون إذ أكّد ممثلو المجتمع اليهودي المغربي أنفسهم أن أحفاد اليهود المغاربة يحصلون على الجنسية وجوازات السفر دون مشاكل بل يسعى إلى تحويل هذا الوضع الرمادي إلى حق قانوني صريح ومُقنَّن لا يمكن المساس به مستقبلاً.
الفارق الجوهري: الوضع الحالي قابل للمراجعة والتصحيح متى شاءت السلطات المغربية. الملتمس يُريد تحويله إلى حق مكتسب دستورياً يصعب إلغاؤه.
4. توسيع النطاق إلى ما وراء القانون القائم
فضلاً عن تقنين الوضع القائم، يذهب الملتمس إلى أبعد من ذلك: فهو يطالب بمنح الجنسية لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة دون اشتراط أن تكون الأم هي صاحبة الأصول المغربية، وهو ما يتجاوز إطار قانون 2007 ليشمل أجيالاً لم تنقل إليها الجنسية أصلاً بموجب أي نص نافذ.
رابعاً: الصلة المركبة بين الملتمس والقانون القائم
إن فهم الصلة العضوية بين الملتمس الجديد والقانون النافذ يستلزم الوقوف على ثلاثة مستويات متداخلة:
المستوى الأول
— التغطية النظرية:
يُتيح قانون 2007 فعلاً لمن وُلد لأم مغربية يهودية المطالبةَ بالجنسية المغربية. فالقانون لا يُفرّق بين الأديان، وأحفاد اليهوديات المغربيات مشمولون به نظرياً.
المستوى الثاني
— الفجوة التطبيقية: الفارق بين النظرية والتطبيق يكمن في شرط عدم التجنيد، الذي لم يُفعَّل إدارياً على نطاق واسع، مما ترك الباب مفتوحاً لحالات ازدواج الجنسية الفعلي.
المستوى الثالث
— الهدف من الملتمس:
إغلاق هذا الباب المفتوح من الجهة المعاكسة، أي تحويل الممارسة الفعلية إلى حق مضمون قانونياً بنص صريح يحول دون أي مراجعة مستقبلية.
خامساً: المخاوف المؤسسية الولوج إلى هيئات تسيير الشأن العام
1. الحقوق السياسية المترتبة على الجنسية المُقنَّنة
الفارق الجوهري بين الوضع الراهن وما يسعى إليه الملتمس هو أن الجنسية المُكتسبة بنص قانوني صريح تفتح الباب أمام المطالبة بكامل الحقوق السياسية أمام القضاء بشكل لا يمكن ردّه إدارياً. فحق الاقتراع والترشح وتولي المسؤوليات في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والمجالس الترابية والجامعات يصبح حقاً قضائياً محمياً لا مجرد ممارسة تقديرية.
2. المجالس المنتخبة والتشريعية
تكمن الخطورة في احتمال ولوج حاملي الجنسيتين
المغربية والإسرائيلية
إلى المجالس الجهوية والإقليمية والبلدية، ومجلسَي النواب والمستشارين. وهاجس ازدواج الولاء يطرح إشكاليات دستورية عميقة، لا سيما في بلد يمرّ بمرحلة حساسة من تطور علاقاته مع دولة في حالة حرب مع شعب عربي.
3. الجامعات والمؤسسات البحثية
تُمثّل الجامعات ومجالس البحث العلمي حيّزاً استراتيجياً. الولوج إلى هيئاتها يُتيح التأثير في البرامج الدراسية ومحتوى المقررات ومحاور البحث، وهي مجالات ذات حساسية تتجاوز البُعد الأكاديمي إلى البُعد الهوياتي والسياسي.
4. القطاعات الحيوية والاقتصادية
على مستوى التدبير الجهوي، تطال المخاوف قطاعات استراتيجية كالعقارات والتعمير والبنية التحتية والتراخيص التجارية. وقد رصد بعض المحللين مساعي استثمار مشبوهة في النسيج العمراني للمدن المغربية الكبرى تُشير إلى نية تمهيد حضور اقتصادي يسبق الحضور السياسي.
سادساً: البعد الدستوري
— الرافد العبري وحدود التأويل
يستند مقدمو الملتمس إلى ديباجة دستور 2011 التي تعترف بالرافد العبري مكوناً من مكونات الهوية المغربية. غير أن القانونيين يُميّزون بين بُعدين لا يجوز الخلط بينهما: الاعتراف بالإرث الثقافي والتاريخي لليهودية المغربية من جهة، ومنح الجنسية السياسية الكاملة مع ما تستتبعه من حقوق انتخابية ومؤسسية من جهة أخرى.
والاعتراف بالرافد العبري في الدستور يخصّ اليهودية المغربية كموروث حضاري مشترك، لا كمسوّغ لإعادة الاندماج السياسي لأجيال وُلدت ونشأت في دولة أجنبية في ظروف تاريخية محددة. التوسع في تفسير هذا البند لتبرير الجنسية السياسية هو ما يُشكّل محل الطعن القانوني الجوهري.
سابعاً: الموقف الشعبي والسياسي المغربي
على الرغم من الموقف الرسمي الذي يُهوّن من شأن الملتمس، فإن الرأي العام المغربي أبدى حساسية استثنائية تجاه هذه المسألة. فالشعب المغربي الذي يخرج دورياً في مظاهرات دعماً للقضية الفلسطينية لا يُمكنه النظر بعين القبول إلى أي مسعى يُتيح لأفراد أدّوا خدمة عسكرية في جيش الاحتلال أن يحملوا الجنسية المغربية ويتمتعوا بكامل حقوق المواطنة.
وقد تصدّت للملتمس أصوات سياسية ودينية متعددة، في مقدمتها الحزب الاشتراكي الموحد وحركة التوحيد والإصلاح، فضلاً عن باحثين أكاديميين يرون في تكرار محاولات تمرير هذا الملتمس مؤشراً على وجود أجندة منظمة تتجاوز الاعتبارات الحقوقية إلى أهداف جيوسياسية. خلاصة وتوصيات
يكشف هذا التحليل أن الجدل حول ملتمس تجنيس أحفاد اليهود المغاربة لا يرتبط بثغرة قانونية جديدة، بل يتمحور حول مسعى لتحويل وضع رمادي قائم بالفعل إلى حق مُقنَّن دستورياً محصّن. فالقانون الحالي يفتح الباب نظرياً لبعض هؤلاء الأحفاد، لكنه يُبقي للسلطات صلاحية التقدير والمراجعة. الملتمس يُريد إغلاق هذا الباب بشكل نهائي لصالح الاستحقاق المُطلق.
وفي ظل هذا الفهم، تتضح أهمية التوصيات التالية: أولاً، وجوب تفعيل آليات الإنذار المنصوص عليها في الفصل التاسع عشر وتطبيقها بشكل منهجي وشفاف على جميع حالات التجنيد في جيوش أجنبية دون استثناء. ثانياً، ضرورة التمييز القانوني الصريح بين الحق الثقافي في الانتساب إلى الإرث المغربي العبري والحق السياسي المرتبط بالجنسية. ثالثاً، العمل على سد الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الإداري تفادياً للوضعيات الرمادية التي تُشجع على المطالبات القانونية المستقبلية. رابعاً، إشراك المؤسسات الأكاديمية والفقهية في أي نقاش تشريعي يمس هذا الملف.
خلاصة القول: المشكلة الحقيقية ليست في نص القانون بل في ثغرة تطبيقه. وملتمس التجنيس يسعى إلى استثمار هذه الثغرة ورسملتها قانونياً قبل أن تُعالَج.
إن المغرب، بتاريخه الحضاري العريق وتنوعه الهوياتي الأصيل، قادر على صون هذا التراث دون أن يُوظَّف ذريعةً لفتح أبواب المؤسسات الوطنية أمام من قد يحملون ولاءات تتعارض مع الثوابت الجيوسياسية للمملكة ومع موقف شعبها الراسخ من القضية الفلسطينية.
المصادر والمراجع
الظهير الشريف رقم 250-1-58 الصادر في 6 سبتمبر 1958 قانون الجنسية المغربية.القانون رقم 62.06 المتمم والمعدل لقانون الجنسية، الجريدة الرسمية عدد 5513، أبريل 2007.دستور المملكة المغربية 2011، الديباجة الاعتراف بمكونات الهوية الوطنية.
الجزيرة نت، جدل بالمغرب بشأن تجنيس أبناء يهود مغاربة، أكتوبر 2024.سكاي نيوز عربية، ما حقيقة مقترح تسهيل الجنسية لأحفاد اليهود المغاربة، ماي 2026.سبوتنيك عربي، الرباط ترد على حقيقة ملتمس تجنيس اليهود ذوي الأصول المغربية، ماي 2026.
هسبريس، قانون يهود المغرب في إسرائيل بين الذاكرة الوطنية والسردية الصهيونية، يناير 2026.
موقع تاڭا 7، الشروع في جمع التوقيعات لملتمس منح الجنسية لأحفاد اليهود، ماي 2026.