وجهة نظر

بنكيران وإيران والتشيع -د.محمد أكديد

  في الخرجة الأخيرة لبنكيران، وردا على تخرصات رئيس الجلسة المهرج الذي نعت فيها أعضاء حزب العدالة والتنمية في المغرب بالتشيع والشيوعية، حاول الزعيم بن إيران كما بات يسميه خصومه نفي التشيع عن حزبه مع نعته بمذهب البدع، حيث زاد بأنه أعرف الناس بالشيعة والتشيع لإقناع جمهوره بصحة ادعاءه هذا، لأن الرجل ومن خلال استحضاره لنفس التهم التي يروج لها خصوم الشيعة خصوصا من التيار السلفي الوهابي، يبدو أبعد مايكون عن إنصاف القوم الذي لا يتأتى إلا بالخروج من قوقعة التسنن التقليدي الذي يتهم مخالفيه بكل أنواع الإنحراف والضلال قبل حتى التأكد من حججهم وتمحيص روايتهم بمنظار محايد.
وقبل إلقاء الضوء على ما يجهله السيد بنكيران حول هذا المذهب الذي كانت تحاربه السلطات التاريخية الرسمية كما تحارب الوباء من خلال اضطهاد أتباعه والتشنيع عليهم مع الاجتهاد في تحريف وتأويل كلام أعلامه والترويج لانحرافات غلاة الشيعة ممن حاربهم الأئمة ع ومراجع وعلماء الطائفة الأفذاذ بعد أن باتوا يدسون خرافاتهم وضلالاتهم في المذهب خدمة لأجندات بعض حكام السوء، لا بد من التذكير بأن التشيع (الانتصار) لآل البيت ع ليس تهمة يخجل منها المسلم كما يدعي بعض الجهال أو جريمة مدانة بميزان الحق والقانون، بل هو انتماء واع لمذهب أصيل و عريق له ما له وعليه ماعليه طبعا، أما البدع التي ألصقها بنكيران به فهي منتشرة في كل المذاهب الإسلامية جراء الاجتهادات والتأويلات التي أدخلها عدد من الفقهاء عبر تاريخ طويل في كل مذهب مما فرضته سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة، وموضوع البدعة نفسه قد أسال الكثير من المداد ولازال النقاش حولها مفتوحا إلى اليوم. لكن بنكيران وفي محاولة منه للحفاظ داخل حزبه على جمهور الطائفيين الذين يعادون الشيعة والتشيع بناء على افتراءات البروباغندا السلفية الوهابية التي ألصقت بهذا المذهب الأصيل خلال العقود الأخيرة كل ماهو مشين لتسقيطه وتشويه صورة أتباعه عبر العالم، الذين هم بالمناسبة أتباع أهل بيت الرسول ص و الملتزمين بمنهجهم وسلوكهم ومواقفهم، والذين نصروا قضاياهم في أحلك الظروف ولم يتخلوا عنهم رغم حجم المعاناة التي تجرعوا مرارتها في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي من خلال الاضطهاد والتضييق الذي وصل في محطات كثيرة إلى القتل والتشريد وسلب الممتلكات خصوصا خلال العهد الأموي حيث كان يعد التشيع لآل البيت ع أو حتى ذكرهم بخير جريمة يعاقب عليها الحاكم أشد العقاب. ومع ذلك فقد صمد هذا الخط الذي وضع أصول مذهبه فيما بعد (خلال العصر العباسي) الإمام جعفر بن محمد الصادق ع الإمام السادس في ترتيب أئمة أهل البيت ع والذي تتلمذ على يديه أيضا الإمام أبوحنيفة النعمان الذي يتعبد المصريون بمذهبه، حيث تتفق على تقديم الإمام الصادق والاحتجاج بكلامه واجتهاداته كل فرق الشيعة اليوم، وفي مقدمتها الإمامية الذين يشكلون (إحصائيا) أغلب الشيعة عبر العالم، ويتواجدون خصوصا بكل من إيران والعراق ولبنان وعدد من دول الخليج كالبحرين والسعودية والكويت ودول أخرى مثل أدربيجان وباكستان..حيث يعد مذهب الشيعة أو مذهب أهل البيت ع من ضمن أبرز المذاهب الرائدة التي تعترف بها مؤسسة الأزهر الشريف في مصر بل وتخصص له كرسيا للدراسة في بعض المراحل الجامعية بجانب المذاهب السنية المشهورة(المالكي، الحنفي، الشافعي والحنبلي)، خاصة بعد صدور فتوى الشيخ الأكبر محمد شلتوت بجواز التعبد بالمذهب الجعفري عام 1959، والذي كان منخرطا بقوة في مبادرة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي كان يقودها عدد من كبار الفقهاء والمراجع في العالمين الشيعي والسني.. وقد خرج هذا المذهب عبر التاريخ آلاف الفقهاء والعلماء والأدباء والقادة الكبار الذين خلدوا أسماءهم في سجلات التاريخ رغم أنف الطائفيين والحاقدين، لعل من أبرزهم العلامة الحلي الذي رد على التهم التي ألصقها ابن تيمية في كتاب منهاج السنة النبوية بالشيعة في كتابه منهاج الكرامة الذي وقف فيه أيضا على أدلة إمامة علي وولاية أهل البيت ع في المتون السنية والتاريخية المعتبرة، ومن الشعراء الكبار الفرزدق ودعبل الخزاعي وأبوفراس الحمداني وصفي الدين الحلي، ومن فطاحل العلماء والفلاسفة ابن سينا وعبقري زمانه أبو الريحان البيروني الذي تنسب له لوحة فنية لغدير خم عندما قدم الرسول ص الإمام علي ع كخليفة له على المسلمين بعد حجة الوداع التي أداها بالمسلمين قبيل وفاته بمدة يسيرة، صادحا فيمن حضر معه منهم بعد أن رفع يد علي ليراه الجمع: من كنت مولاه فهذا علي مولاه..وقد ورد في بعض المتون السنية بأن عدد من الصحابة بايعه على الولاية في ذلك الموقف المشهود الذي بلغ حد التواتر (وفق تصنيف محققي الرواية السنية) رغم اجتهاد فقهاء السنة في التعتيم عليه وتجاهل أو تأويل مخرجاته. ومن القادة الكبار نذكر المعز لدين الله الفاطمي الذي أسس القاهرة التي ضمت فيما بعد جامعة الأزهر التي سطع نجمها كإحدى أبرز الحواضر العلمية التي بناها الشيعة بجانب جامعة القرويين في المغرب والتي أشرفت على بناءها فاطمة الفهرية في عهد الدولة الإدريسية التي لا يتناطح كبشان حول الأصل الشيعي لمؤسسها المولى إدريس الأول، الذي وفد إلى المغرب برفقة المولى راشد هاربا من بطش العباسيين في المشرق بعد هزيمة جيش عمه وأخيه في معركة فخ التي دارت بين العلويين وشيعتهم من جهة وأبناء عمومتهم من العباسيين من جهة أخرى..ويكفي أن يقدم هذا الخط لهذا الجيل قائدا فريدا من حجم الشهيد السيد حسن نصر الله الذي أذل لعقود دولة الكيان الصهيوني رغم تملكها لآخر الإمكانات التكنولوجية مع دعم غير محدود لأقوى دولة في العالم، فضلا عن سيرته وأخلاقه وشخصيته الاستثنائية التي اعترف بها العدو قبل الصديق بما أوتي من دقة التحليل وبعد النظر وفصل الخطاب، ليتوقف المرءعلى كذب الافتراءات التي اجتهدت في سبكها والترويج لها عدد من القنوات الطائفية في المنطقة العربية الإسلامية خدمة لأجندات مشبوهة باتت نتائجها تخرج تباعا خلال العدوان الصهيوأمريكي الآثم على الجمهورية الإسلامية في إيران..حيث حاول بنكيران بدهاء استثمار صمود إيران داخليا، بعد أن ردت الصاع صاعين لأمريكا والكيان الصهيوني مما يجمع المسلمون على عداء قادتهما للإسلام وعلى جهودهم الحثيثة في احتلال أراضي المسلمين وتقسيم بلدانهم واستنزاف ثروات أوطانهم، خاصة بعد أن وقف الرجل على التعاطف الواسع الذي تجاوز المسلمين إلى غيرهم من أتباع المذاهب والديانات الأخرى عبر العالم، حيث لم يشكل المغاربة استثناء في هذا الأمر. لكن هذا الرهان بات محفوفا بمخاطر انقلاب جزء من حاضنة الحزب السنية داخل المجتمع المغربي كما أسلفنا ممن لازالوا تحت تأثير المخدر الطائفي، وممن لم تسعفهم أدوات البحث والتحري من التحقق من تلك تلك الافتراءات الموجهة ضد الشيعة والتشيع، خاصة ونحن أمام استحقاقات انتخابية قريبة، وقد باتت الأحزاب الإدارية المقربة من الدولة وحتى بعض الأحزاب اليسارية التي انحرفت بوصلتها خلال السنوات الأخيرة، تستغل هذا الموضوع للتأثير على جمهور حزب العدالة والتنمية السني..لذلك لم يكن بنكيران ليفوت فرصة الرد على المهرج، رئيس الجلسة الذي ينتمي للأسف لحزب يساري “عتيد” كما لايزال يردد أعضاءه وقادته الذين لا زالوا يعيشون على تاريخ وإنجازات عدد من الرموز الوطنية التي لن يشرفها ماوصل إليه العبث في التحكم و تدبير القرارات داخل هذا الحزب.
السيد بنكيران من النوع الذي يلتقط الإشارات بدهاء، ومن النوع الذي يتقن اللعب على الحبال. لهذا فهو لن يهدي خصومه السياسيين ومن يقف وراء بعضهم في كواليس الدولة العميقة أي ورقة يمكن أن تستخدم ضده وضد حزبه، حتى ولو خالف بعض الشعارات والمبادئ التي كان ينتصر لها لفترة من الزمن، أو عاكس بعض قناعاته الداخلية، حيث لايمكن ألا يكون الرجل مطلعا على فصول الخلافات الحقيقية بين الشيعة والسنة وعلى الاجتهادات النيرة لعدد من كبار علماء الشيعة في الفقه والسياسة والفلسفة والاقتصاد التي ساهمت لفترة من الزمن في تشكيل وعي الحركة الإسلامية بالمغرب حيث تفاعل قادتها وأعضاءها مع كتابات الشهيد الدكتور علي شريعاتي الذي يعد من منظري الثورة الإسلامية في إيران، وكتابات الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر الذي يعد من مؤسسي الحركة الإسلامية في العراق (على الأخص كتابيه الفريدين؛ فلسفتنا واقتصادنا)، فضلا عن كتابات وخطب المرجع الرسالي الراحل السيد محمد حسين فضل الله وأحد أبرز رموز الحزب المقاوم في لبنان.. ويبقى دفاع بنكيران عن تطبيع الدولة مع الكيان وعلى زميله الذي وقع معهم (رئيس الحكومة سابقا السيد سعد الدين العثماني) أبرز مثال لتقلباته التي لا تنتهي، حيث لا تخرج بذلك عن مناورات تيارات الإسلام السياسي (داخل البلدان السنية خصوصا)، والتي ترجح عادة كفة السياسة على الدين وفق رهانات وطموحات الحركة والحزب مما يحرج في الكثير من الأحيان قادة هذه التيارات ويصطدم مع أدبياتها وشعاراتها المرفوعة لاستقطاب جمهور المتدينين..

محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى