وجهة نظر

حين يُنشر ما لم يُحسم: الأثر الدستوري لإشهار تعذر الرقابة -مصطفى المنوزي

  يثير تصريح المحكمة الدستورية بتعذر البت في إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة سؤالاً يتجاوز النقص الذي شاب ملف الإحالة، ليمس الوظيفة الدستورية ذاتها للقرار القضائي وللنشر في الجريدة الرسمية. فالمحكمة لم تقل إن القانون مطابق للدستور، ولم تقض بعدم مطابقته، وإنما أعلنت تعذر البت في الإحالة «على حالها»، ثم قررت نشر تصريحها في الجريدة الرسمية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق القراءة: ما الذي يعنيه أن يُنشر رسمياً ليس حكماً في دستورية القانون، وإنما تصريح بأن الرقابة لم تستطع أن تبلغ غايتها؟
من تبليغ القرار إلى إشهار الحالة الدستورية :
ينبغي ابتداءً التمييز بين وظيفتين مختلفتين: تبليغ القرار إلى الجهات المعنية، ونشره في الجريدة الرسمية.
فالتبليغ يخاطب، في الأصل، أطراف العلاقة الدستورية التي أنتجت الإحالة وما ترتب عنها. أما النشر فيتجاوز العلاقة الإجرائية المحدودة ليُدخل القرار إلى المجال القانوني العام، بحيث يصبح مضمونه معلوماً بصورة رسمية للكافة ولجميع السلطات والمؤسسات.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو نشر تصريح تعذر البت مجرد تفصيل شكلي. فالمحكمة لم تُشهر حكماً بدستورية القانون أو عدم دستوريته، وإنما أشهرت حالة الرقابة نفسها: لقد وُجدت إحالة، ووُضعت المحكمة يدها عليها، لكنها لم تتمكن من الانتقال منها إلى فحص دستورية القانون بسبب النقص الذي حال دون ذلك.
وبذلك يتحول عدم اكتمال الرقابة من واقعة داخل ملف قضائي إلى واقعة دستورية معلنة.
المحكمة لم تمنح القانون شهادة دستورية :
هذه النتيجة ضرورية لمنع الالتباس بين ثلاث حالات مختلفة: فحص القانون والحكم بمطابقته للدستور؛ فحصه والحكم بعدم مطابقته كلياً أو جزئياً؛ وعدم الوصول أصلاً إلى مرحلة الفحص الموضوعي ؛ والحالة الثالثة هي التي تهمنا.
فإذا كانت المحكمة قد صرحت بتعذر البت، فإن أخطر ما يمكن أن يقع في قراءة القرار هو تحويل الصمت الموضوعي للمحكمة إلى حكم ضمني بالمطابقة.
عدم الحكم بعدم الدستورية لا يعني الحكم بالدستورية :
ذلك أن النتيجتين تفترض كل منهما ممارسة الرقابة، بينما نحن أمام واقعة مختلفة: الرقابة المطلوبة لم تكتمل بالشروط التي تسمح للمحكمة بممارستها ، ويكتسب النشر هنا وظيفة بالغة الأهمية؛ فهو يحول دون محو هذه المسافة بين «عدم الحكم بعدم الدستورية» و«الحكم بالدستورية»، لأن الجريدة الرسمية نفسها تحمل أثراً مؤسسياً يفيد بأن المحكمة لم تفصل في الموضوع.
ماذا تعني عبارة «على حالها»؟ :
تستحق العبارة التي استعملتها المحكمة، أي تعذر البت في الإحالة «على حالها»، قراءة مستقلة ، فهي لا تقول، من حيث دلالتها المباشرة، إن الرقابة أصبحت مستحيلة بصورة نهائية، وإنما تربط التعذر بحالة معينة عُرضت بها الإحالة ؛ والحال، بطبيعته، قابل للتغير ، ولذلك يمكن التمييز بين تعذر موضوعي نهائي يجعل الرقابة مستحيلة في ذاتها، وبين تعذر إجرائي مرتبط بحالة الملف يمكن، من حيث المبدأ، أن تزول أسبابه إذا استُكملت العناصر الناقصة، ما لم يوجد مانع دستوري أو قانوني آخر.
ولا يعني ذلك أن المحكمة أمرت بإعادة الإحالة؛ فهذا استنتاج يتجاوز منطوق التصريح ما لم يوجد فيه سند صريح ، لكنه يعني أن صياغتها لا تسمح بسهولة بتحويل التعذر المرتبط بـ«الحال» إلى حجية موضوعية نهائية بشأن دستورية القانون.
فهل يمثل النشر تنبيهاً دستورياً؟ :
هنا ينبغي توخي الدقة ؛ ليس من السليم القول إن المحكمة وجهت أمراً إلى رئيس مجلس النواب أو إلى إحدى الجهات المخول لها دستورياً حق الإحالة كي تعيد عرض القانون عليها. فالأمر بإعادة الإحالة شيء، وإشهار تعذر الرقابة شيء آخر.
لكن بين الأمرين توجد مساحة ثالثة يمكن وصفها بـالتنبيه الدستوري ، فحين تقرر المحكمة نشر تصريح يفيد بأنها لم تتمكن من البت بسبب الوضع الذي قدمت فيه الإحالة، فإن النظام المؤسساتي كله يصبح على علم رسمي بأن السؤال الدستوري الذي أثير أمام المحكمة لم يتلق جواباً موضوعياً ؛ وبذلك لا يكون النشر أمراً بالاستدراك، ولكنه يمنع، على الأقل من الناحية المعرفية والمؤسساتية، الادعاء بأن عدم الاستدراك يجري في فراغ أو في غياب العلم ، فقد أصبحت واقعة عدم اكتمال الرقابة معلنة.
من الأثر القضائي إلى الأثر الإشهاري :
يسمح ذلك باقتراح تمييز قد يكون مفيداً في قراءة هذا النوع من القرارات بين الأثر القضائي والأثر الإشهاري.
الأثر القضائي يتعلق بما حسمته المحكمة واكتسب قوة القرار الدستوري. أما الأثر الإشهاري فيتعلق بما جعلته المحكمة معلوماً بصورة رسمية من خلال قرارها ونشره ، وفي الحالة موضوع النقاش، تبدو المفارقة واضحة: الأثر القضائي الموضوعي محدود، لأن المحكمة لم تحسم دستورية القانون؛ بينما الأثر الإشهاري قوي، لأنها أعلنت رسمياً عدم تحقق ذلك الحسم ، وهذا يقلب زاوية النظر إلى النشر ؛ فالجريدة الرسمية لا تخبرنا هنا فقط بما حكمت به المحكمة؛ بل تخبرنا أيضاً، وبصورة رسمية، بما لم تتمكن المحكمة من الحكم فيه.
من وقع العلم بالتعذر إلى مسؤولية الاستدراك :
لكن الإشهار لا ينبغي أن يبقى بلا أثر ، فإذا أصبحت السلطات الدستورية المعنية عالمة رسمياً بأن رقابة أُثيرت ولم تكتمل بسبب نقص قابل للتدارك، يظهر سؤال المسؤولية المؤسسية:
هل يجوز التعامل بعد نشر هذا التصريح مع القانون كما لو أن رقابته الدستورية قد استُنفدت؟
إن السؤال لا يتعلق فقط بحق أصحاب الإحالة، وإنما بوظيفة الرقابة الدستورية نفسها.
فمتى تحركت الرقابة بإرادة صحيحة من إحدى الجهات التي منحها الدستور سلطة الإحالة، ثم توقفت قبل بلوغ غايتها بسبب نقص إجرائي، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الجدية المؤسساتية تقتضي البحث عن الوسيلة الدستورية الممكنة لاستكمالها، ما دام ذلك لا يزال ممكناً.
وهنا تنتقل المسألة من حق الإحالة إلى مسؤولية العناية بالإحالة.
فالسلطة الدستورية لا تُقاس فقط بامتلاك الاختصاص، وإنما أيضاً بطريقة استعماله وبالعناية اللازمة حتى يبلغ غايته الدستورية.
النشر وفقه الاستدراك الدستور ، فمن هذه الزاوية يمكن إدراج النشر ضمن ما يمكن تسميته بـفقه الاستدراك الدستوري.
لأن الاستدراك لا يعني الافتراض أن المحكمة أمرت بشيء لم تأمر به، ولا اختراع مسطرة لا ينص عليها الدستور. وإنما يبدأ من سؤال أكثر تحفظاً: إذا كان سبب عدم ممارسة الرقابة قابلاً للزوال، وإذا لم يقع حسم دستورية القانون في الموضوع، وإذا كانت الإمكانية الدستورية لإعادة تحريك الرقابة لا تزال قائمة، فلماذا يُعامل التعذر المؤقت كما لو كان نهاية نهائية للمسار؟
هنا يتحول الاستدراك من مجرد تقنية لإصلاح وثيقة ناقصة إلى قيمة دستورية مرتبطة بفعالية الرقابة وبحسن سير المؤسسات وبالأمن الدستوري ، فالغاية ليست تصحيح الورق لذاته، وإنما منع خطأ إجرائي قابل للإصلاح من إنتاج أثر دستوري غير قابل للإصلاح.
النشر والخط الثالث :
تتضح عند هذه النقطة ملامح ما يمكن تسميته بـ«الخط الثالث» في قراءة تصريح المحكمة ، فلا هو قراءة تعتبر القانون دستورياً لمجرد أن المحكمة لم تقض بعدم دستوريته، ولا هو قراءة تعتبر تعذر البت نهاية حتمية لكل إمكان لاحق للرقابة ، وإنه يبدأ من واقعة أبسط وأكثر دقة: سؤال دستورية القانون طُرح، لكن الجواب عنه لم يصدر بعد ؛ ومن ثم ينتقل النقاش من سؤال: «هل القانون دستوري أم غير دستوري؟» إلى سؤال سابق عليه:
هل ما زال ممكناً استكمال الشروط التي تسمح للمحكمة بأن تجيب أصلاً عن هذا السؤال؟
ويكتسب النشر في الجريدة الرسمية، ضمن هذه القراءة، أهمية خاصة؛ لأنه يجعل «عدم الحسم» نفسه حقيقة مؤسساتية معلنة وواقعة قانونية معلومة ، ويحول دون اختزاله في مجرد حادث تقني داخل ملف قضائي.
من الفضائل السلبية إلى مسؤولية ما بعد الامتناع :
وهنا يلتقي النقاش المغربي، مع مراعاة اختلاف السياقات، مع السؤال الذي أثارته نظرية «الفضائل السلبية» في القضاء الدستوري: متى يكون من المشروع أو الحكيم ألا تحسم المحكمة المسألة المعروضة عليها؟
غير أن واقعة تعذر البت تضيف سؤالاً آخر: ماذا يحدث بعد ألا تحكم المحكمة؟ …ثم يضيف التفكير النقدي التوقعي سؤالاً ثالثاً:
ما الآثار التي يمكن أن تنشأ غداً إذا لم تُدبر اليوم نتائج عدم الحسم؟
فالمشكلة ليست في الامتناع أو التعذر وحدهما، وإنما في تحويلهما، بمرور الزمن أو بفعل الأمر الواقع، إلى نتيجة موضوعية لم تقل بها المحكمة. وهنا تظهر الوظيفة الوقائية للاستدراك: حماية الفرق بين عدم الفصل في الدستورية والفصل بالدستورية.
وختاما فالجريدة الرسمية بوصفها ذاكرة لرقابة لم تكتمل ربما تكمن الدلالة الأعمق لنشر تصريح تعذر البت في أن الجريدة الرسمية أصبحت تحمل أثراً لا لرقابة مكتملة، وإنما لرقابة لم تكتمل ، وهذه ليست مفارقة لغوية فقط. فالنشر يحفظ الذاكرة المؤسساتية للواقعة: كانت هناك إحالة؛ وكانت هناك إرادة في تحريك الرقابة؛ ووجد عائق حال دون وصول المحكمة إلى الموضوع؛ ولم يصدر حكم بدستورية القانون أو عدم دستوريته.
لذلك ينبغي الحذر من إعطاء النشر معنى لا يحتمله، كاعتباره أمراً قضائياً صريحاً بإعادة الإحالة. لكن ينبغي بالقدر نفسه الحذر من تفريغه من كل دلالة ؛ وبين القراءتين يمكن تأسيس مقاربة ثالثة: النشر إشهار رسمي لعدم اكتمال الرقابة، والإشهار يولّد علماً مؤسسياً، والعلم يفتح سؤال المسؤولية عن الاستدراك.
وعندئذ يصبح السؤال الذي يتركه تصريح المحكمة أمام الفقه والمؤسسات أكثر دقة وإلحاحاً:
إذا كانت المحكمة الدستورية قد أشهرت رسمياً أنها لم تتمكن من فحص دستورية القانون، فهل يجوز للسلطات المعنية أن تتعامل معه بعد ذلك كما لو أن الرقابة قد تمت واستُنفدت؟
ذلك هو، ربما، أحد أهم الأسئلة التي يفتحها هذا التصريح: ليس فقط ماذا قررت المحكمة؟، وإنما ماذا يترتب دستورياً على إعلانها الرسمي أنها لم تستطع أن تقرر ، وهذه هي الحكمة من الأمر بنشر ما لم يحسم !!

مصطفى المنوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى