I- حيوية مطلب فصل السلط الضامن لجودة المؤسسات الوطنية
سبق وان قدمنا في مستهل هذا العمل، دفاعا عن روح الإلتزامات الإقتصادية لبعض مشاريع البرنامج الإنتخابي التي رشحت لدى قوى تحالف اليسار، قراءة نقدية أولية سريعة، مساهمة منا في النقاش الدائر بين القوى الحية ببلادنا، عموما، واليسارية منها على وجه الخصوص، وذلك من أجل إقتراحات عملية لوعود إنتخابية جريئة ممكنة، في افق تشريعيات سبتمبر المواربة على الأبواب.
سنحاول الآن طرح مطلب إنتخابي- سياسي قد يعتبره البعض ممن لايفهم في العلوم السياسية وفي التاريخ السياسي خارجة عن الموضوع وعن المحتمل وعن الإنتخاب قبل السياسة، في بلد كبلدنا، شكلا ومضمونا، وهو ما نعترض عليه، بالمرة، لأن السياسة تراكم غير مرئي لصيرورة تاريخية لبنيات وطبقات وصراعات وهي تفاعل لعوامل داخلية وخارجية متداخلة ومتعددة، وكما أن التاريخ السياسي إستمرار، فهو يعج بالقطائع، أيضا، وأحيانا كثيرة بالإنهيارات المدوية و التحولات الفجائية.
وعليه، من نافل القول أن “جودة المؤسسات/ المنظمات” ( أسيموغلو، جاءزة نوبل 2024 حول تشكل المؤسسات وأثرها على إزدهار وفشل الدول) تفترض منطقيا وجودها الأول، أصلا ( روسو والعقد الإجتماعي، الديموقراطية،…)، لتحسينها بالتدريج والبناء، لأنه لا يمكن تنقية طبيعة الإستبداد والفساد وإنما القطع معهما، أو مقاطعتهما، عوض المشاركة اصلا فيها، بالتمام والكمال، وهي إشكالية مبدءية تبريرية تطرح -كل مرة- وخاصة في الاستحقاقات الإنتخابية، لدى بعض قوى اليسار الجذري(حزب النهج الديموقراطي العمالي) أو لدى جناح الإسلام السياسي الجذري( جماعة العدالة والإحسان) ببلادنا، لإرساء أو تبرير عدم المشاركة في مؤسسات غير ديموقراطية حقيقية، مغشوشة..
وذلك بحكم تكلس تطور المجتمع وبنياته وموازين القوى السياسية، بالضرورة، غير متحررة بما هو كافي من النفوذ الفردي وعلاقات الريع والقرب والتبعية الخاصة والتقرب المغرض والتزلف المفلس للسلطة خارج إطار الحق والقانون، ووفق مبدىء فصل السلط، المتعارف عليه دوليا، طبعا.
و كلنا يعلم أنه “في السياسة، الحاجة ماسة إلى العلم والمعرفة الدقيقة بالنسق السياسي وفي نفس الآن ببنيات المجتمع ومؤسساته… لأن ذلك يساعد على تحديد الأولويات…فهذه الأخيرة، تنبثق من قلب المجتمع ولا تقررها المكاتب السياسية في فضاءاتها المغلقة….كما أن تحقيق خطوة على درب إنتزاع المكتسبات يحتاج إلى معرفة دقيقة بالفاعلين السياسيين المؤثرين وبميزان القوة السياسي وباستحضار قيم العمل المشترك والتنسيق الضروري لما يحدث أثرا سياسيا ولما فيه مصلحة البلاد والعباد ( لطيفة البوحسيني، 2026).
وفي مجال الإقتصاد، بالذات، فالإقتصاديون، و”النقديون” منهم، حيث “النقد النظري” هو -ايضا- منتج ومهم ويمكنه أن يتحول إلى قوة مادية” ( أنظر بيان الإقتصاد النقدي للجمعية المغربية للعلوم الإقتصادية، 2013)، أو ما تبقى منهم، على مر السبعين سنة من التطويق لهم والتدمير والتسفيه والإستدراج التي خلت، منذ ان سبق وكان لهم كبير الشأن والمقام في ستينيات القرن الماضي مع وفي ضل حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية/ عبدالرحيم بوعبيد/ عزيز بلال.
لقد كان الغرض من ذلك كبعا تحليل وتنوير و”بسط الإختيارات والقرارات الإستراتيجية” للسياسي/ الحاكم، وبدعوة منه، طبعا، إلى الثمانينات من القرن الماضي، حيث تحولوا إلى معارضة لبرنامج التقويم الهيكلي المعتمد، آنذاك، لكن ب”دون خلفية نظرية عميقة” ( العوفي ن.، 2025)، ومن تم “بدون أثر” يذكر على السياسات العمومية، إلى التسعينات، إلى اليوم، حيث مروا إلى “المقاومة السلبية” ، ومنهم من إنقلب منبطحا ليخدم السلطة وإعادة تدوير وتبرير وتطبيع مبتغياتها..
والحال أن الزمان غير الزمان، اليوم، ليتم رسم منحى طويل المدى للإقتصاديين المغاربة في بلدهم، -علما أن أبحاث بعضهم يتم إستغلالها وإستثمارها من طرف المنظمات الدولية التي تعطيها “شرعية القبول” لدى الممول الدولي و رضا لدى الحكام، أيضا، عندنا، وهو ميل عام نحو “التجاهل والتبخيس وحتى الإقصاء”( أنظر العوفي، ن، 2025، التدوينات الإقتصادية.) للكفاءات الوطنية الأصيلة.
والملاحظ أن السلطة تفضل وتقرب إليها من “لا يعرف من الإقتصاديين أنه لا يعرف” على “من لا يعرف”، مجملا، لإحتكارها المعلومة والمعطى و زاوية النظر، ضدا على من هم بمكان من المعرفة العلمية والخبرة والعاطفة empathie ( أنظر ماكس فيبر / 1922، انظر ايضا كتاب أدم سميث، نظرية العواطف الأخلاقية/ 1759)، حيث السياسة أول وأسمى العلوم الإجتماعية والإنسانية، ما يسمح لها بإستعمال باقي العلوم الأخرى، ومنها الإقتصاد، أيضا وطبعا، كما يقول أريسطو، وخاصة في تصور بعض النيوليبراليين الضيق و “العقلاني البليد” ( أنظر عمارتيا سين، 1993)، ك”حساب صرف بدون عاطفة/ حساب صابون، كما يقول المغاربة”/ النيوكلاسيك (أنظر نقد داماسيو، أ.، لهذا التصور 2003)، وأن الإلتزام السياسي له دور مهم في تحديد الفعل والتنفيذ والممارسة، ولربما الميل عموما لمصلحة الشعب العريض والوطن- الأم، حقيقة وصراحة.
والواقع أن الإقتصاديون ينعمون بعطاء الفيلسوف روسو، أيضا، وليس فقط المهتمون بالسياسة لوحدهم المستفيدون منه ( أنظر كتابه “خطاب حول أصل وأسس اللامساواة بين الناس”، ثم “خطاب عن الإقتصاد السياسي/ 1758”)، حيث يؤكد الفيلسوف أعلاه أن اللامساوة في الأصل إجتماعية وليست طبيعية. بل وأكثر من هذا، لابد للإقتصاد من أن يخضع للسياسة، وليس العكس، أبدا، وذلك عبر مفاهيم توسلها روسو، وهي: الإرادة العامة و السيادة للسلطة العمومية والحكومة للإقتصاد العمومي. وعليه فروسو يقر أن السياسة، عبر الدولة، هي الضامنة لضبط الإقتصاد، وليس قوى السوق الحرة، أبدا ( أنظر العوفي ن.، 2014).
الملاحظ أن الشق الإقتصادي لبرنامج تحالف اليسار/ 2026 يدافع على ضرورة نهج سياسة إقتصادية فاعلة منتجة للإستثمار المتوازن والمنفتح، وكذا الموفر للتشغيل، كمدخل حيوي للكرامة، ضدا على إستشراء إقتصاد الريع، وسطوة الفلاحة التصديرية للغرب، الضاربة بعرض الحاءط للحاجيات الوطنية والإجتماعية الداخلية، وهو ما يتطلب مناخا كفيلا بتطوير الإستثمار والتشغيل معا، وكذا ضمان شروط تمويل التنمية الوطنية.
قد يساءل البعض عن مدى جدوى ملاءمة المطلب أعلاه، التغيير الديموقراطي الفعلي، الذي يشترط تحويلا وتغيير إستراتيجيا في بنية الحكم والنظام، من جهة مع ظرفية إنتخابية فلكلورية عابرة، تندرج ضمن هابتوس وأعراس التباري المحسوم سلفا بالمال والجاه والقرب والتزلف والسلطة واللامبالاة والعزوف وفساد اللعبة السياسية من اصلها، من جهة أخرى.
فرضيتنا بالقوة في ما نقترح هي أنه لايمكن لإقتصادنا أن يقلع ويحقق فواءض قيمة وازنة مادام لم يتقدم لوطنه وشعبه/ الداخل، وكذا للخارج بنظام سياسي- دستوري عصري/ يلاءم “نموذج تنموي إقتصادي وإجتماعي” فريد، إذ يراعي خصوصيات مناجم رفاهه المحلية المتعددة. إنه التطابق والتلازم الوجودي الذي يمكن أن يخدم به- يفاخر به أمام المواطن، سدا لحاجياته الأساسية، أولا قبل أن يتباهى به إتجاه العالم والأمم والجيران!
وهو التلفيق والتحويل الثقافي- القيمي المغرض البلطجي الذي تعتمده قوى المحافظة والجمود والنكوص والتردد والثورة المضادة المستهدف لمركز و مشتل عي وإهتمام المواطنين الأساسي ولمطلبهم الشعبي الديموقراطي المشروع، فضلا على أنه لايلم لا براهنية ولا بمشروعية المطلب إياه، ولا معرفة علمية له بتاريخ التغيير الإجتماعي والسياسي في العالم، ولا عن قفزات وتحولات وفجاءيات التاريخ التي تضعه على جدول وأجندة العمل السياسي…..
وهو السد الديماغوجي الرسمي “المنيع”، والذي تعبىء له السلطة اجهزتها الأيديولوجية المتعددة، والذي لا يمكن أن يتبناه أو يقبله تحالف اليسار أبدا، ( أنظر كتاب سيد القمني المفتز، “بلطجة المثقفين” الفكرية/ 2002، حيث يستخدم الدين والتاريخ والتراث وغيرهم كأداة قوة وترهيب فكري لدى تيار معين من المثقفين ورجال الدين والزوايا (البودشيش والكركر وغيرهم كالفطاءر) واليوتبر وشيوخ وعلماء البلاط، نصرة “للدولة الدينية” و”ما هي بدينية”، لاءكية و”ما هي بلاءكية”، وحيث يتم إحتكار الحقيقة وإعتبارها مطلقة، و كذا إمتلاك مفاتيح الجنة والنار للآخرة، ولإسكات صوت وفكر الآخر الحر، الديموقراطي التقدمي.
وهو ما يجعل مثقفي اليسار و يدعو تحالفه ومناضليه، بالذات إلى فتح النقاش التفكيكي الجدي والنقدي الصحي للأوضاع الداخلية بالبلاد (النمو الغير المتكافىء، نظام التوزيع المختل واللامتساوي للقيمة- فاءض القيمة، الفوارق الطبقية والجهوية والمجالية الترابية،.. ) في ربطهم لها بمعضلات وتشابكات السياسات الإقتصادية والإجتماعية للمنتظم الدولي والإقليمي العام.
ذ. عبدالواحد حمزة، سوسيوقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد