اخرىوجهة نظر

عين الشق: حين يصبح الفوز بداية الامتحان -ماذا سنفعل بعد الفوز؟ سعيد لهنا

   في فيلم L’ora legale الإيطالي، يجد أستاذ جامعي نفسه في قلب تجربة سياسية مختلفة. يدخل الانتخابات بخطاب إصلاحي واضح، يفوز بمنصب العمدة، ثم يبدأ في تطبيق ما وعد به الناخبين، احترام القانون، محاربة الفوضى، ووضع حد لبعض الممارسات التي تحولت، مع الوقت، إلى ما يشبه (العرف) داخل المجتمع المحلي.

لكن المفارقة أن الذين طالبوا بالتغيير سرعان ما بدوا في مقاومته عندما اكتشفوا أن القانون لا يغير المسؤولين فقط، وإنما يغير أيضا عادات المواطنين ومصالحهم اليومية.

وهنا يطرح الفيلم سؤالا يتجاوز حدود الكوميديا السياسية:

ماذا يحدث حين تتحول الممارسة السياسية من فعل جماعي إلى مجال للولاءات و المصالح الشخصية؟

إنها مفارقة تصلح لأن تكون مدخلا لقراءة المشهد السياسي المحلي في عين الشق، خصوصا في ظل بروز تنافس انتخابي يبدو، في جزء كبير منه، محكوما بثلاثة أقطاب حزبية أساسية: حزب الاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة.

غير أن اختزال المشهد في سؤال من يملك الحظ الأكبر؟ قد يكون اختزالا مخلا، لأن السياسة المحلية لا تختزل في نتائج استطلاعات القوة، ولا في حجم التعبئة الانتخابية، ولا في عدد الأشخاص القادرين على تحريك الأصوات.

هناك طبقة أخرى من السياسة، أكثر صمتا وأقل ظهورا في الخطابات الرسمية، شبكات الوسطاء والمنتفعين والمحيطين بالفاعل السياسي.

هؤلاء الذين يظهرون بقوة في موسم الانتخابات، يلتصقون بالمرشح، يبالغون في إظهار الولاء، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم (رجال الميدان) و(أصحاب المفاتيح) و(القادرين على جلب الأصوات). ثم يبدأ، في كثير من الأحيان، نوع آخر من التفاوض، ليس حول البرنامج ولا حول مستقبل المنطقة، وإنما حول الموقع، والمصلحة، والمقابل، والحصة من النفوذ.

وفي هذه اللحظة تحديدا، تصبح السياسة عرضة لعملية خطيرة يمكن تسميتها مجازا ب “تقليم أظافر الفاعل السياسي”.

فالفاعل الذي يدخل المعركة بأفكار ومواقف وبرنامج قد يجد نفسه محاطا بأشخاص لا يهمهم كثيرا مضمون مشروعه بقدر ما يهمهم مقدار ما يمكن أن يحصلوا عليه منه.

كلما ارتفعت حدة هذا النوع من العلاقة، بدأ البرنامج يتراجع، وبدأت الحسابات الصغيرة تتقدم.

يصبح المرشح مطالبا بإرضاء هذا الطرف، ومراعاة ذاك، وتقديم تنازل هنا، وتسوية هناك، حتى يجد نفسه أمام نسخة سياسية مختلفة عن تلك التي دخل بها السباق.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا نريد أن نفعل بعين الشق؟

بل يصبح السؤال:

كم صوتا نستطيع أن نحصل عليه؟ ومن يستطيع أن يجلب لنا هذه الأصوات؟ وماذا يريد في المقابل؟

وهذا التحول، إن حدث، يشكل أحد أخطر أمراض السياسة الانتخابية، لأنه ينقل المنافسة من مجال البرامج العمومية إلى مجال الوساطة الانتخابية.

والأكثر إثارة للمفارقة أن بعض هؤلاء الأشخاص قد يكونون أول من يلتصق بالفاعل السياسي في لحظة صعوده، وأول من يصفق له عند انتصاره، ثم يكونون أنفسهم أول من ينقلب عليه عندما تتغير موازين المصالح.

فالولاء الذي يقوم على المنفعة لا يعيش طويلا.

ومن يدفع ثمن هذه اللعبة في النهاية ليس المرشح وحده، وإنما السياسة نفسها، لأن المواطن يبدأ في النظر إلى العمل السياسي باعتباره سوقا للمصالح، وتصبح الثقة أكثر صعوبة، ويصبح البرنامج الانتخابي أقل أهمية من شبكة العلاقات التي تحيط بالمرشح.

لكن المشكلة لا تقع كلها على عاتق هؤلاء الوسطاء.

فالفاعل السياسي نفسه مسؤول عن الحدود التي يسمح بتجاوزها، وعن نوع العلاقات التي يبنيها، وعن قدرته على حماية مشروعه من الاختزال في الحسابات الانتخابية الضيقة.

السياسي الذي يسمح للماكينة الانتخابية بأن تعيد تشكيل مواقفه، قد يصل إلى السلطة، لكنه قد يصل إليها وقد فقد جزءا من السبب الذي جعله يريدها.

وهنا تعود إلينا مفارقة L’ora legale من زاوية أخرى.

فكما أن المواطن قد يطالب بالإصلاح ثم يرفض كلفته، يمكن للفاعل السياسي أن يرفع شعار التغيير ثم يجد نفسه مضطرا إلى التراجع عنه تحت ضغط الحسابات الانتخابية.

وبين الطرفين تنشأ معادلة معقدة:

ناخب يريد التغيير، لكنه لا يريد دائما كلفته، ومرشح يريد الفوز، لكنه قد لا يكون مستعدا دائما لدفع ثمن الحفاظ على مشروعه.

أما عين الشق، فهي لا تحتاج إلى المزيد من الضجيج الانتخابي بقدر ما تحتاج إلى نقاش سياسي جدي حول المستقبل.

النقل والتنقل، التعليم، الشباب، الثقافة والرياضة، التشغيل، البيئة، التعمير، الخدمات العمومية، الفضاءات المشتركة، والحكامة المحلية، كلها قضايا ينبغي أن تنتقل من هامش الخطاب الانتخابي إلى صلب المنافسة السياسية.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط

من سيفوز؟

وإنما، ماذا سيقدم الفائز لعين الشق؟

ومن يستطيع أن يحافظ على استقلال قراره أمام شبكات المصالح والوسطاء؟

ومن يستطيع، في اللحظة المناسبة، أن يقول لأنصاره ومحيطه: لا، حين يكون الرفض هو الموقف الذي تقتضيه مصلحة المنطقة، وأن يضع المصلحة العامة فوق حساباته الانتخابية؟

فـالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما السياسة الحقيقية فتبدأ في اليوم التالي، حين يصبح المطلوب هو تدبير الشأن العام، لا مجرد تدبير نتائج الاقتراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى