منذ أسابيع، تشهد ألبانيا احتجاجات طلابية قوية، اندلعت على خلفية مطالب بخفض الرسوم الدراسية وتكاليف الكتب والتعليم الجامعي، وتحسين البنية التحتية والمرافق التعليمية.
هذه الاحتجاجات سرعان ما اتسعت رقعتها لتتجاوز المطالب الطلابية، وتتحول إلى حراك شعبي يطالب باستقالة رئيس الحكومة “إيدي راما”، في سياق تصاعد الغضب من الأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلاد.
وفي فرنسا، يتكرر نفس المشهد.. إذ تشهد البلاد منذ أسابيع احتجاجات ومظاهرات قوية يقودها التلاميذ والطلبة، على خلفية أزمة التعليم وأوضاع المدرسة (نقص المدرسين، الاكتظاظ وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية…)، قبل أن تتسع رقعة الاحتجاجات لتشمل قطاعات وفئات اجتماعية أخرى، في ظل الغضب من غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاجتماعية.
وبلغت هذه الاحتجاجات ذروتها يوم السبت الماضي، الذي شهد أعمال شغب وعنف ونهب وإضرام للنار، في مشاهد وصفت ب “السبت الأسود” في فرنسا.
ولم تقتصر المشاركة في احتجاجات ذلك اليوم على التلاميذ والطلبة، بل امتدت لتشمل النقابات والأحزاب السياسية وأعضاء حركة السترات الصفراء والمزارعين والناشطين البيئيين، إلى جانب أعداد غفيرة من المواطنين الغاضبين من غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاجتماعية.
ولا تقتصر هذه الاحتجاجات على فرنسا وألبانيا، بل تمتد إلى عدد من الدول الأوروبية ودول أخرى، من بينها بلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا وتونس، حيث تتداخل أسباب الاحتجاج بين غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن والدراسة وتدهور الأوضاع الاجتماعية وضعف الآفاق المتاحة أمام الشباب.
في المغرب، لا تبدو الأوضاع الاجتماعية مبشرة بالخير.. فغلاء المعيشة واستمرار ارتفاع الأسعار، وتفشي الفساد، إلى جانب أزمة التعليم والصحة وتراجع الثقة في المؤسسات، كلها عوامل تغذي الشعور بالاحتقان وتزيد من احتمالات اتساع دائرة الاحتقان.
وفي قلب هذه الأوضاع، تبدو الجامعة العمومية على صفيح ساخن، في ظل الإضرابات والاحتجاجات التي تشهدها بعض الجامعات (القنيطرة، فاس، تطوان…)، والتي امتد بعضها إلى تنظيم مسيرات في الشارع، رفضا لرسوم التوقيت الميسر ودفاعا عن مجانية التعليم العالي.
ويزداد هذا الاحتقان بالتعليم العالي في سياق الجدل الدائر حول القانون 59.24، وما يثيره من مخاوف بشأن مستقبل الجامعة العمومية، وتوجهات تسليع التعليم وضرب مجانيته.
وإذا استمرت هذه الأوضاع دون معالجة جدية، فلا يستبعد أن تتسع رقعة الاحتجاجات لتشمل جامعات أخرى، وأن تتقاطع المطالب الجامعية مع المطالب الاجتماعية لفئات أوسع، في سياق قد يعيد الشباب المغربي، ومن ضمنه “جيل Z”، إلى واجهة الاحتجاج.
إن تفادي هذا السيناريو لا يكون بتجاهل المطالب أو تأجيل معالجتها، وإنما بالإنصات إلى نبض الشارع، وفتح حوار جدي ومسؤول، ومعالجة الاختلالات التي تعرفها منظومة التعليم، وإعطاء الأولوية للمدرسة والجامعة العموميتين، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
ولعل البداية المنطقية هي تعليق العمل بالتوقيت الميسر، وتجميد الرسوم المفروضة على التكوينات المعنية، في أفق فتح نقاش وطني جدي حول مستقبل الجامعة العمومية ومجانية التعليم العالي، بعيدا عن منطق التسليع وإخضاع الحق في التعليم لمنطق السوق.
فهل ستكون هذه الخطوة أول قرار يتخذه عز الدين المداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أم سيستمر في النهج نفسه، تاركا الجامعة العمومية تواجه مزيدا من الاحتقان والتصعيد؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.