تنوير | متابعة
أعلن فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس جماعة الرباط انسحابه من أشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر 2026، احتجاجاً على ما وصفه باختلالات مسطرية وقانونية ومالية شابت إعداد مشروع ميزانية الجماعة برسم السنة المالية 2027، معتبراً أن الوثائق المعروضة على المجلس تضمنت تناقضات في الأرقام والتقديرات، إلى جانب عدم احترام عدد من المقتضيات القانونية المنظمة لتدبير مالية الجماعات الترابية.
وأوضح الفريق، في تصريح صحفي وقعه رئيسه أنس الدحموني، أن أعضاءه قرروا تسجيل حضورهم في بداية الجلسة قبل الانسحاب المباشر منها، تعبيراً عن رفضهم لما اعتبروه تراجعاً في شروط الحكامة والشفافية داخل مجلس العاصمة، واحتجاجاً على المناخ السياسي وطريقة تدبير الشأن الجماعي.
وأكد الفريق أن قرار الانسحاب لم يكن موقفاً ظرفياً أو معزولاً، بل جاء نتيجة تراكم مجموعة من الملاحظات والاختلالات التي رصدها في إعداد مشروع الميزانية، فضلاً عن استمرار ما وصفه بإقصاء المعارضة من التشاور بشأن الملفات الاستراتيجية المرتبطة بتدبير شؤون مدينة الرباط.
وفي مقدمة المؤاخذات التي أثارها الفريق، وجود تناقضات بين الوثائق التقديمية لمشروع الميزانية، حيث أفاد بأنه توصل بمذكرتين مختلفتين تتعلقان بالنقطة نفسها المدرجة في جدول أعمال الدورة.
وأوضح أن المذكرة الأولى تضمنت مشروع ميزانية غير متوازن، بفارق مالي سلبي قدره مليون و636 ألف درهم، قبل أن يتوصل الفريق بمذكرة ثانية قدمت باعتبارها نسخة مصححة، بهدف تدارك الخلل وإعادة التوازن المالي، من خلال القراءة الثانية لحساب النفقات الخاص بمقاطعة يعقوب المنصور.
واعتبر الفريق أن هذا التباين بين الوثيقتين يطرح تساؤلات بشأن مدى دقة إعداد الوثائق المالية ومدى خضوعها للمراجعة والتدقيق قبل عرضها على أعضاء المجلس، خصوصاً أن الأمر يتعلق بميزانية العاصمة وما يرتبط بها من التزامات مالية ومشاريع وخدمات موجهة إلى الساكنة.
وفي السياق ذاته، اتهم الفريق المكتب المسير بعدم احترام بعض المقتضيات القانونية المنظمة لحسابات نفقات المقاطعات، مستنداً إلى أحكام القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ولا سيما المادة 252 منه.
وأشار التصريح إلى أن حساب نفقات مقاطعة حسان لم يصل إلى مجلس الجماعة قبل فاتح أكتوبر 2026، معتبراً أن الجماعة لم تتخذ الإجراءات المنصوص عليها قانوناً بشأن الحصر التلقائي للحساب في مثل هذه الحالات.
كما انتقد الفريق ما وصفه بإسقاط مشروع حساب نفقات مقاطعة أكدال الرياض من المبالغ المرصودة في مشروع الميزانية، معتبراً أن ذلك يشكل خللاً في إعداد الوثيقة المالية وتوزيع الاعتمادات بين المقاطعات.
أما بخصوص مقاطعة يعقوب المنصور، فأفاد الفريق بأن مشروع حساب نفقاتها تضمن خطأً في احتساب مجموع الباب العشرين المتعلق بالشؤون الاجتماعية والثقافية والرياضية، فضلاً عن عدم احترام المبلغ المرصود أصلاً للمقاطعة من طرف جماعة الرباط.
واعتبر فريق العدالة والتنمية أن هذه الملاحظات لا تتعلق بمجرد تفاصيل تقنية، بل تمس، وفق تقديره، شروط إعداد الميزانية ومدى مطابقتها للمساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
ولم تتوقف انتقادات الفريق عند الجوانب المسطرية، بل امتدت إلى صدقية التقديرات المالية التي بني عليها مشروع ميزانية سنة 2027.
وفي هذا الصدد، كشف التصريح عن وجود اختلاف بين المذكرتين التقديميتين بشأن توقعات مداخيل التسيير، حيث تضمنت المذكرة الأولى تقديرات بزيادة تصل إلى 200 مليون درهم، قبل أن تخفض المذكرة الثانية هذا الرقم إلى 80 مليون درهم.
واعتبر الفريق أن الانتقال من توقع زيادة بـ200 مليون درهم إلى 80 مليون درهم داخل وثائق الدورة نفسها يثير تساؤلات بشأن الأسس المعتمدة في احتساب الموارد المالية، ومدى واقعية الفرضيات التي بني عليها مشروع الميزانية.
وشدد على أن إعداد ميزانية جماعية يتطلب اعتماد تقديرات دقيقة وقابلة للتحقق، بما يضمن التوازن بين الموارد والنفقات ويحافظ على استقرار الالتزامات المالية للجماعة.
وفي جانب آخر، اتهم الفريق الأغلبية المسيرة بعدم الالتزام بالتوجيهات الواردة في دورية وزير الداخلية رقم 12855، الصادرة بتاريخ فاتح أكتوبر 2026، والمتعلقة بإعداد وتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية برسم سنة 2027.
وأوضح أن المشروع المعروض، بحسب قراءته، لا ينسجم مع التوجيهات المتعلقة باعتماد مقاربة احترازية وواقعية في إعداد الميزانيات، والتحكم في النفقات وترشيدها، وإعطاء الأولوية للنفقات الاستعجالية وضمان استمرارية المرافق العمومية والوفاء بالالتزامات التعاقدية.
واعتبر الفريق أن احترام هذه المبادئ يشكل شرطاً أساسياً لضمان نجاعة التدبير المالي للجماعة، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بتمويل الخدمات العمومية والمشاريع التنموية بالعاصمة.
وعلى المستوى السياسي، وجه فريق العدالة والتنمية انتقادات إلى طريقة تدبير المجلس الجماعي، متحدثاً عن غياب المقاربة التشاركية وضعف آليات التشاور مع المعارضة بشأن القضايا الكبرى التي تهم مستقبل المدينة.
وأوضح أن أعضاءه سبق أن تقدموا بمقترحات اعتبروها بناءة وهادفة إلى تحسين جودة النقاش داخل المجلس وتجويد تدبير الشأن المحلي، غير أنهم واجهوا، بحسب التصريح، تجاهلاً متواصلاً وعدم تجاوب من طرف المكتب المسير.
واعتبر الفريق أن استمرار هذا الوضع ساهم في تدهور مناخ العمل الجماعي، وأضعف فرص التعاون بين مختلف مكونات المجلس، بما فيها الأغلبية والمعارضة، حول الملفات التي تهم الساكنة.
وأكد أن المعارضة لا ينبغي أن تختزل في الحضور الشكلي خلال الدورات، بل يفترض أن تشارك في مناقشة القرارات الكبرى، وأن تتوفر على المعطيات والوثائق الضرورية لممارسة أدوارها الرقابية والاقتراحية.
وفي هذا السياق، شدد رئيس الفريق أنس الدحموني على أن الانسحاب من الجلسة يمثل موقفاً سياسياً احتجاجياً، يعكس رفض الفريق منح مشروعية سياسية لمشروع ميزانية يعتبر أنه أُعد على عجل، ولا يستجيب للشروط القانونية والمحاسبية المطلوبة.
ويرى الفريق أن معالجة الاختلالات التي رصدها تقتضي إعادة النظر في طريقة إعداد الوثائق المالية، وضمان توحيد المعطيات والتقديرات، واحترام الآجال القانونية، إلى جانب تمكين مختلف أعضاء المجلس من الاطلاع على المعلومات الضرورية قبل اتخاذ القرارات المرتبطة بالميزانية.
كما أكد أن اعتراضه لا يستهدف تعطيل العمل الجماعي، وإنما يندرج، وفق موقفه المعلن، في إطار الدفاع عن سيادة القانون وحسن تدبير المال العام، وتعزيز الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن المحلي.
وفي ختام تصريحه، أعلن فريق العدالة والتنمية أنه بصدد إعداد بلاغ تفصيلي سيعرض من خلاله مختلف المعطيات والأرقام المرتبطة بما وصفه بالنواقص الجوهرية التي شابت مشروع ميزانية جماعة الرباط لسنة 2027.
وجدد الفريق تأكيد التزامه بممارسة معارضة تقوم على الدفاع عن احترام القانون التنظيمي للجماعات، وحماية المال العام، والمطالبة بحكامة مالية وإدارية تضمن توجيه الموارد لخدمة المصلحة العامة.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول تدبير مالية جماعة الرباط، ومدى التزام الأغلبية المسيرة بمبادئ الشفافية والتخطيط المالي والتشاور المؤسساتي، في ظل أهمية الميزانية السنوية باعتبارها الأداة الرئيسية لترجمة الأولويات التنموية والخدماتية للجماعة.
كما تطرح الخلافات المثارة بشأن مشروع ميزانية 2027 تساؤلات حول آليات مراقبة الوثائق المالية قبل المصادقة عليها، ومدى قدرة المجلس على توفير الشروط الضرورية لنقاش مسؤول حول توزيع الموارد وتحديد أولويات الإنفاق.
وتبقى الاتهامات والملاحظات التي أوردها فريق العدالة والتنمية مواقف صادرة عن أحد مكونات المعارضة داخل مجلس الجماعة، في انتظار رد المكتب المسير وتوضيحاته بشأن التناقضات المالية والإجراءات القانونية التي أثارها التصريح.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مناقشة مشروع الميزانية والإجراءات المرتبطة بالمصادقة عليها، يفتح انسحاب الفريق الاستقلالي المعارض، ممثلاً هنا بفريق العدالة والتنمية، نقاشاً سياسياً ومؤسساتياً حول شروط الحكامة المالية بمدينة الرباط، وضرورة ضمان احترام المساطر القانونية وحق المعارضة في الاطلاع والمناقشة والمراقبة، بما يخدم مصالح ساكنة العاصمة ويعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة.