تنوير | متابعة
وضعت الحكومة المغربية إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق ضمن الأولويات الأساسية لبرنامجها الحكومي للفترة 2026–2031، الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، معلنة عن إطلاق برنامج وطني جديد ابتداءً من سنة 2027، يستهدف توسيع فرص التأهيل والتشغيل، ومواكبة المقاولات، وتسهيل الحركية المهنية للشباب داخل المغرب وخارجه.
ويأتي هذا التوجه في ظل مؤشرات اجتماعية واقتصادية أوردها التصريح الحكومي، تكشف حجم التحديات التي تواجه الشباب المغربي، حيث يوجد نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ نسبة البطالة في صفوف الفئة العمرية بين 15 و24 سنة حوالي 29.2 في المائة، إلى جانب مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنوياً دون الحصول على تأهيل.
واعتبرت الحكومة أن هذه المعطيات تستدعي اعتماد سياسة وطنية مندمجة، تتجاوز المقاربات القطاعية المنفصلة، وتعمل على مواكبة الشباب في مساراتهم التعليمية والمهنية وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
برنامج وطني ابتداءً من 2027 لتكوين وتشغيل الشباب
في إطار تنفيذ التوجيهات الملكية، أعلنت الحكومة عزمها إطلاق برنامج وطني ابتداءً من سنة 2027، يرتكز على مواكبة اجتماعية وترابية للشباب، بهدف تحسين فرص إدماجهم في سوق الشغل والاستجابة للحاجيات الفعلية للمقاولات.
ويتضمن البرنامج التزاماً بتكوين 100 ألف شاب وشابة سنوياً وفق احتياجات النسيج الاقتصادي، بما يهدف إلى تقليص الفجوة بين المؤهلات المكتسبة ومتطلبات سوق العمل.
كما تعهدت الحكومة بتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من خوض أول تجربة مهنية، في خطوة تستهدف معالجة إحدى الصعوبات التي تواجه الشباب عند الانتقال من التعليم أو التكوين إلى الحياة العملية، والمتمثلة في اشتراط الخبرة المهنية للحصول على فرص العمل.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة في إرساء آليات للربط بين التكوين والتشغيل، من خلال اعتماد مقاربة تراعي احتياجات المقاولات والخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية المختلفة.
غير أن البرنامج الحكومي لم يحدد، ضمن هذا المحور، التفاصيل المتعلقة بشروط استفادة الشباب من هذه الفرص، أو طبيعة العقود المهنية المرتقبة، أو آليات تتبع إدماج المستفيدين في سوق الشغل بعد انتهاء فترة المواكبة.
رفع طاقة التكوين بالتدرج إلى 200 ألف مستفيد سنوياً
ومن بين أبرز الالتزامات الواردة في المحور الخامس، إعلان الحكومة رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
ويرتكز هذا النوع من التكوين على الجمع بين اكتساب المعارف والمهارات المهنية والتعلم داخل بيئة العمل، بما يتيح للمستفيدين تطوير كفاءات عملية مرتبطة بمختلف المهن والأنشطة الاقتصادية.
ويأتي توسيع التكوين بالتدرج ضمن توجه يرمي إلى تنويع مسارات التأهيل المهني، خصوصاً لفائدة الشباب الذين يواجهون صعوبات في الاندماج ضمن المسارات التقليدية للتعليم والتكوين.
ومن شأن هذا الالتزام، في حال تنزيله وفق الأهداف المعلنة، أن يوسع قاعدة المستفيدين من التكوين المرتبط بالممارسة المهنية، شريطة توفير إمكانات التأطير والمواكبة وضمان جودة التكوين وملاءمته لحاجيات سوق العمل.
مواكبة 60 ألف مقاولة وتسهيل التمويل والولوج إلى الصفقات العمومية
ولم يقتصر البرنامج الحكومي على الإجراءات الموجهة مباشرة إلى الشباب، بل شمل كذلك دعم النسيج المقاولاتي، باعتباره أحد المجالات المرتبطة بخلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، تعهدت الحكومة بمواكبة 60 ألف مقاولة بهدف ضمان تطورها واستمرارها، من خلال توفير خدمات الاحتضان وتسهيل الولوج إلى التمويل وآليات الضمان.
كما يتضمن هذا الالتزام دعم وصول المقاولات إلى الأسواق والصفقات العمومية، بما يتيح لها فرصاً أوسع لتطوير أنشطتها وتعزيز قدرتها على الاستمرار.
ويعكس هذا التوجه محاولة الربط بين السياسة الحكومية للتشغيل ودعم المقاولة، باعتبار أن توسيع فرص العمل يظل مرتبطاً أيضاً بقدرة النسيج الاقتصادي على الاستثمار والنمو واستيعاب اليد العاملة المؤهلة.
ويطرح هذا الورش تحديات تتعلق بتحديد معايير اختيار المقاولات المستفيدة، وتوزيع برامج المواكبة بين الجهات، وقياس أثر الدعم المقدم على استمرارية المقاولات وفرص الشغل التي توفرها.
اتفاقيات دولية لتسهيل الحركية المهنية للشباب
وفي جانب آخر، أعلن البرنامج الحكومي عن توجه نحو تطوير الحركية المهنية القانونية عبر إبرام اتفاقيات مع الدول التي تعرف خصاصاً في بعض المهن.
ويستهدف هذا الالتزام إتاحة فرص مهنية منظمة في الخارج، وفق أطر قانونية واتفاقية، بما يفتح أمام الكفاءات والعمال المغاربة إمكانية الاستفادة من الطلب الدولي على بعض التخصصات المهنية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية في سياق التحولات التي يعرفها سوق العمل الدولي، وتزايد الحاجة إلى كفاءات متخصصة في عدد من القطاعات الاقتصادية والخدماتية.
غير أن التصريح الحكومي لم يقدم، ضمن هذا المحور، تفاصيل بشأن الدول المعنية بهذه الاتفاقيات، أو القطاعات المهنية المستهدفة، أو عدد المستفيدين المرتقبين.
جواز للحركية المهنية ودعم السكن لتسهيل التنقل بحثاً عن العمل
وعلى المستوى الوطني، أعلنت الحكومة اعتزامها تفعيل جواز للحركية المهنية، يستهدف دعم الأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم.
ويأتي هذا الإجراء في إطار معالجة بعض العوائق المرتبطة بالتنقل الجغرافي نحو مناطق توفر فرصاً مهنية، خصوصاً عندما تحول تكاليف السكن والتنقل دون التحاق الباحثين عن العمل بالوظائف المتاحة.
وفي هذا السياق، تعهدت الحكومة بمواكبة جواز الحركية المهنية ببرنامج لتوفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة، بهدف تسهيل انتقال المستفيدين إلى مناطق العمل.
ويمثل هذا الالتزام توجهاً نحو إدماج البعد المجالي في سياسات التشغيل، من خلال عدم الاقتصار على توفير فرص العمل، بل الاهتمام أيضاً بالشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تمكن الشباب من الاستفادة منها.
ويبقى تفعيل هذا الإجراء مرتبطاً بتحديد طبيعة الدعم الذي سيوفره جواز الحركية المهنية، وشروط الاستفادة منه، وآليات توفير السكن المخصص للكراء، ومدى ملاءمته لمستويات دخل المستفيدين.
2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل.. تحدٍّ اجتماعي واقتصادي
تكشف الأرقام التي قدمتها الحكومة أن إدماج الشباب يمثل تحدياً يتجاوز معالجة البطالة وحدها، ليشمل كذلك إعادة إدماج الشباب المنقطعين عن الدراسة أو التكوين، وتحسين فرص اكتساب المؤهلات المهنية.
فوجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج التعليم والتكوين والشغل، وفق المعطيات الواردة في التصريح الحكومي، يبرز اتساع الفئة التي تحتاج إلى سياسات مواكبة وتأهيل وإدماج.
كما أن تسجيل نسبة بطالة تبلغ 29.2 في المائة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجه هذه الفئة في الولوج إلى سوق العمل.
ويضاف إلى ذلك مغادرة نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنوياً دون تأهيل، وهو معطى يبرز أهمية الربط بين برامج محاربة الهدر المدرسي والتكوين المهني والإدماج الاقتصادي.
وتشير هذه المؤشرات، كما قدمتها الحكومة، إلى الحاجة إلى معالجة متكاملة تشمل المدرسة والتكوين والمقاولة وسوق الشغل، مع مراعاة التفاوتات بين المجالات الترابية والفئات الاجتماعية.
بين الأهداف الرقمية ورهان الإدماج المستدام
يشكل المحور الخامس من البرنامج الحكومي محاولة لصياغة سياسة متكاملة لإدماج الشباب، من خلال الجمع بين التكوين المهني، واكتساب الخبرة العملية، ومواكبة المقاولات، وتسهيل الحركية المهنية داخل المغرب وخارجه.
وتبرز ضمن هذا المحور تعهدات محددة، تتمثل في تكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، ورفع طاقة التكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً، إضافة إلى مواكبة 60 ألف مقاولة.
غير أن تقييم نجاعة هذه البرامج لن يرتبط فقط بعدد المستفيدين من التكوين أو المواكبة، بل كذلك بمدى قدرتها على توفير إدماج مهني مستدام، وتحسين جودة فرص العمل، وتقليص الفجوة بين المؤهلات وحاجيات الاقتصاد.
كما ستطرح هذه التعهدات تحديات مرتبطة بتعبئة التمويلات الضرورية، وتنسيق تدخلات المؤسسات المعنية بالتعليم والتكوين والتشغيل والاستثمار، وضمان استفادة الشباب في مختلف الجهات، بما فيها المناطق القروية والمجالات التي تعرف محدودية فرص العمل.
وفي انتظار إطلاق البرنامج الوطني المرتقب سنة 2027، تظل تفاصيل التنفيذ والتمويل ومعايير الاستفادة والجدولة الزمنية من العناصر التي ستحدد مدى قدرة الحكومة على بلوغ الأهداف المعلنة.
وبذلك يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 إدماج الشباب في صلب رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تبقى فيه القدرة على الانتقال من التكوين والتجربة المهنية الأولى إلى الشغل اللائق والمستقر أحد أبرز التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة.