تنوير | متابعة
وضعت الحكومة المغربية تأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمملكة ضمن أولويات برنامجها الحكومي للفترة 2026–2031، الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، معلنة عن مجموعة من المشاريع والتدابير الرامية إلى تعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي، وتطوير السيادة الرقمية والصناعية، وتقوية موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
ويشكل هذا المحور الأولوية السادسة من البرنامج الحكومي، في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوستراتيجية والتكنولوجية والمناخية، وما تفرضه من تحديات مرتبطة بأمن الموارد الطبيعية والطاقة والغذاء والبيانات والبنيات التحتية الحيوية.
وأكدت الحكومة أن مواجهة هذه التحولات تتطلب مقاربة شاملة تستحضر المخاطر الجيوستراتيجية والرقمية والعلمية الناشئة، وتعمل على تقوية قدرة المغرب على تأمين احتياجاته الأساسية، مع تعزيز حضوره الاقتصادي والصناعي واللوجستي على المستويين الإقليمي والدولي.
الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لتعزيز الأمن الطاقي
في مجال الأمن الطاقي، تعهدت الحكومة بتسريع تنفيذ برنامج تطوير الطاقات المتجددة، بهدف رفع حصتها إلى أزيد من 52 في المائة من المزيج الطاقي بحلول سنة 2030، وفق ما ورد في التصريح الحكومي.
ويأتي هذا الالتزام ضمن توجه يهدف إلى تعزيز الاعتماد على الموارد الطاقية المتجددة، وتنويع مصادر التزود بالطاقة، وتقوية قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية.
كما أعلنت الحكومة مواصلة تنزيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، باعتباره أحد المشاريع المرتبطة بالتحولات العالمية في مجال الطاقة والصناعات منخفضة الكربون.
وفي السياق ذاته، تعهدت بالتنزيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، بما يساهم في تطوير منظومة التزود بالطاقة وتعزيز تنوع مصادرها.
وبموازاة مع هذه المشاريع، أكدت الحكومة عزمها ترشيد الطلب المتزايد على الطاقة وعقلنة استهلاكها، من خلال تفعيل تدابير النجاعة الطاقية.
ويطرح هذا التوجه تحديات تتعلق بتعبئة الاستثمارات اللازمة، وتطوير البنيات التحتية، وضمان التكامل بين المشاريع الطاقية المختلفة، خصوصاً في ظل تزايد احتياجات القطاعات الصناعية والإنتاجية.
الأمن المائي.. تحلية 1.8 مليار متر مكعب وتسريع بناء السدود
وفي مواجهة التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية، جعلت الحكومة من تعزيز الأمن المائي أحد المرتكزات الأساسية للسيادة الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تعهدت بتنويع وتقوية العرض المائي، من خلال مضاعفة وتيرة إنجاز السدود، مع إعطاء أهمية خاصة للمناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات، التي تواجه تحديات مرتبطة بتوفر الموارد المائية.
كما أعلنت تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، بهدف تعبئة **1.8 مليار متر مكعب من المياه في أفق سنة 2031**.
ويعد هذا الهدف من أبرز الالتزامات الرقمية الواردة في المحور السادس، بالنظر إلى أهمية تحلية مياه البحر ضمن الخيارات الحكومية الرامية إلى تنويع مصادر التزود بالمياه.
ويتضمن البرنامج أيضاً إنجاز مشاريع لتحويل المياه بين الأحواض والجهات، عندما تقتضي الضرورة ذلك، مع الالتزام بعدم المساس بالتوازنات المائية للمناطق المعنية.
وتؤكد الحكومة، من خلال هذه الإجراءات، توجهها نحو تطوير منظومة مائية قادرة على مواجهة الضغط المتزايد على الموارد، وتأمين الحاجيات المرتبطة بالاستهلاك البشري والأنشطة الاقتصادية والفلاحية.
غير أن تنفيذ هذه المشاريع يظل مرتبطاً بتوفير التمويلات والتجهيزات الضرورية، ومراعاة الكلفة الطاقية والبيئية لعمليات التحلية والتحويل، وضمان التدبير المستدام للموارد المائية.
مخطط وطني للماء لضمان استدامة الموارد
ولم يقتصر البرنامج الحكومي على المشاريع المائية الكبرى، بل تضمن كذلك التزاماً بإعداد مخطط وطني للماء، يشكل إطاراً استراتيجياً لتوجيه السياسة المائية الوطنية على المدى الطويل.
ويرتكز هذا المخطط، وفق التصريح الحكومي، على تصور يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الطبيعية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية المختلفة.
كما يهدف إلى ضمان التقائية السياسات العمومية المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب، بما يسمح بتنسيق التدخلات الحكومية وتعزيز نجاعة استعمال الموارد.
ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من تدبير المشاريع المائية بصورة قطاعية إلى اعتماد رؤية متكاملة تربط تعبئة الموارد بحسن استعمالها واستدامتها.
السيادة الغذائية.. رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة
في مجال الأمن الغذائي، أعلنت الحكومة عزمها الانتقال من سياسة الدعم الظرفي إلى التحكم في عوامل الإنتاج الفلاحي، من خلال إطلاق برامج لتعزيز السيادة في البذور.
وحددت الحكومة هدفاً يتمثل في رفع حصة البذور الوطنية من 20 في المائة إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية 2026–2031.
ويستهدف هذا التوجه تعزيز القدرات الوطنية في إنتاج البذور، وتقوية استقلالية المنظومة الفلاحية في أحد مكوناتها الأساسية.
كما تعهدت الحكومة باتخاذ إجراءات لتأمين المخزونات الغذائية وضمان تموين الأسواق، مع مراجعة مخزون الحبوب وضبط صادرات السلاسل الفلاحية الحساسة.
وتندرج هذه الالتزامات ضمن مقاربة تسعى إلى التوفيق بين متطلبات الإنتاج والتصدير والحاجيات الداخلية، خصوصاً بالنسبة إلى المواد الغذائية الأساسية.
ويبقى تحقيق الأهداف المعلنة رهيناً بتطوير القدرات الإنتاجية الوطنية، وتحسين وسائل التخزين والتوزيع، ومراعاة أثر التغيرات المناخية وندرة المياه على القطاع الفلاحي.
إعادة تكوين القطيع ودعم صغار الكسابة
وفي ما يتعلق بالثروة الحيوانية، تعهدت الحكومة بدعم إعادة تكوين القطيع الوطني، من خلال إجراءات تستهدف تحسين شروط الإنتاج وتعزيز القدرات المرتبطة بتربية الماشية.
وتشمل هذه الإجراءات تيسير ولوج صغار الكسابة إلى السلالات عالية الإنتاجية، ودعم السلالات المحلية، إلى جانب تقوية منظومة اليقظة الوبائية والصحية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية في ظل ارتباط الثروة الحيوانية بالأمن الغذائي والنشاط الاقتصادي في العالم القروي، وما يواجهه القطاع من تحديات مرتبطة بالموارد الطبيعية والأعلاف والظروف المناخية.
كما يبرز البرنامج أهمية المحافظة على السلالات المحلية وتحسين الإنتاجية، مع تعزيز الوقاية الصحية لضمان استدامة النشاط المرتبط بتربية الماشية.
السيادة الرقمية.. الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتوسيع الإنترنت
وفي مجال التحول الرقمي، أعلنت الحكومة عزمها وضع آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني، تستهدف حماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة المخاطر الرقمية.
ويأتي هذا الالتزام في سياق التوسع المتزايد في استعمال التكنولوجيات الرقمية داخل الإدارات والمؤسسات والأنشطة الاقتصادية، وما يصاحبه من تحديات مرتبطة بحماية المعلومات والبنيات التحتية الرقمية.
كما تعهدت الحكومة بتوسيع خدمات الإنترنت، مع إيلاء اهتمام خاص بالمناطق النائية، في توجه يرمي إلى تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات والفرص الرقمية.
وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أعلنت الحكومة إعداد إطار يضمن تطوير استعمالات آمنة ومسؤولة لهذه التكنولوجيا، إلى جانب توفير الظروف الملائمة لجذب الاستثمارات ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة في الجمع بين حماية السيادة الرقمية وتشجيع الابتكار والتطوير التكنولوجي، بما يعزز مساهمة الاقتصاد الرقمي في خلق القيمة المضافة.
غير أن تنزيل هذه الإجراءات سيظل مرتبطاً بتحديد الإطار القانوني والمؤسساتي للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتعبئة الكفاءات والاستثمارات الضرورية لتطوير المنظومة الرقمية الوطنية.
تعزيز السيادة الصناعية وموقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية
وفي الشق الصناعي والاقتصادي، تعهدت الحكومة بتعزيز السيادة الصناعية للمملكة وتقوية موقعها في سلاسل القيمة العالمية، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية ذات الأهمية الاستراتيجية.
ويرتكز هذا التوجه على تفعيل المبادرات الملكية الإفريقية والأطلسية، وتطوير الممرات البحرية واللوجستية والطاقية، إلى جانب مواكبة المهن الجديدة والصناعات منخفضة الكربون.
ويعكس هذا الالتزام أهمية الموقع الجغرافي للمغرب وعلاقاته الاقتصادية مع محيطه الإفريقي والأطلسي، في إطار السعي إلى تعزيز دوره في حركة التجارة والاستثمار والربط اللوجستي.
كما يراهن البرنامج الحكومي على تطوير الأنشطة الصناعية المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والبيئية، بما يسمح بتوسيع مجالات الإنتاج والاستثمار.
نحو قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية وطنية
ومن بين الالتزامات الاستراتيجية التي تضمنها المحور السادس، إعلان الحكومة عزمها توفير الشروط اللازمة لإقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، تنفيذاً للتوجيهات الملكية.
وتشمل الإجراءات المعلنة تحسين الإطار القانوني، وتعزيز التنافسية، وتوفير التحفيزات الضرورية لتطوير هذا المجال.
ويشير هذا التوجه إلى إدراج الصناعات الدفاعية ضمن مجالات السيادة الصناعية والتكنولوجية، مع التركيز على تهيئة البيئة القانونية والاقتصادية الملائمة لتطويرها.
ولم يتضمن النص المعروض تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المشاريع أو حجم الاستثمارات أو الجدولة الزمنية الخاصة بهذا الورش.
أسطول بحري تجاري وطني ومشاريع مينائية كبرى
وفي المجال البحري واللوجستي، أعلنت الحكومة التزامها بالعمل على تكوين أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي، في إطار تعزيز قدرات المملكة المرتبطة بالنقل والتجارة البحرية.
كما تعهدت بتسريع إنجاز المشاريع المينائية الكبرى، إلى جانب تطوير المناطق اللوجستية والصناعية المرتبطة بها.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية ترمي إلى تقوية حضور المغرب في المبادلات التجارية البحرية وتعزيز التكامل بين الموانئ والبنيات اللوجستية والأنشطة الصناعية.
ومن شأن تطوير هذه المنظومة، وفق الأهداف التي يطرحها البرنامج، أن يعزز قدرات الاقتصاد الوطني في مجالات النقل والتصدير والخدمات اللوجستية، ويدعم موقع المملكة ضمن الممرات التجارية الإقليمية والدولية.
السيادة الاستراتيجية بين المشاريع الكبرى وتحديات التنفيذ
يكشف المحور السادس من البرنامج الحكومي عن مقاربة واسعة لمفهوم السيادة الاستراتيجية، تتجاوز المجالات التقليدية للأمن لتشمل الموارد المائية والغذائية والطاقية، والتكنولوجيا والصناعة والنقل البحري.
وتبرز ضمن هذا المحور أهداف رقمية محددة، تتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أزيد من 52 في المائة بحلول 2030، وتعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه عبر التحلية في أفق 2031، وزيادة حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية.
كما تتضمن الالتزامات تطوير الهيدروجين الأخضر والبنية التحتية للغاز، وتعزيز الأمن السيبراني، ووضع إطار للذكاء الاصطناعي، وتطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، وتكوين أسطول بحري تجاري وطني.
غير أن تحويل هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة يطرح تحديات ترتبط بحجم الاستثمارات المطلوبة، والقدرات التقنية والبشرية، والتنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، فضلاً عن ضرورة ضمان التوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية.
كما سيكون تقييم هذه الالتزامات مرتبطاً بمدى تقدم المشاريع في الآجال المحددة، وحجم الموارد التي ستتم تعبئتها، وأثرها على تقليص التبعية الخارجية وتعزيز قدرات الإنتاج والتجهيز الوطنية.
وبذلك يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 تأمين السيادة الاستراتيجية في صلب رهانات التنمية المستقبلية للمغرب، من خلال الجمع بين حماية الموارد الحيوية، ومواكبة التحولات التكنولوجية، وتطوير القاعدة الصناعية واللوجستية، وتعزيز الحضور الاقتصادي للمملكة على الصعيدين الإفريقي والدولي.
ويبقى الرهان الأساسي خلال السنوات المقبلة هو مدى قدرة الحكومة على الانتقال من الإعلان عن هذه المشاريع والتوجهات إلى تنفيذها، وتحقيق أثر ملموس على أمن الموارد واستدامة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة التحولات الدولية.