هناك أوطان تقرأ تاريخها في صفحات الكتب، وهناك أوطان تكتبه في وجدان شعوبها، وتمنحه مع كل جيل معنى جديداً. والمغرب، بما راكمه عبر قرون من تاريخ الدولة والحضارة، ينتمي إلى تلك الأوطان التي تتجاوز فيها الذاكرة حدود الماضي، لتصبح قوة تدفع الحاضر نحو المستقبل.
في الحادي والثلاثين من أكتوبر، يستقبل المغرب الذكرى الأولى لعيد الوحدة، الذي أُقرّ عيداً وطنياً سنة 2025، في سياق التحولات التي عرفتها القضية الوطنية، وما ارتبط بها من تطورات دبلوماسية وتاريخية. وهكذا أضيف إلى الذاكرة الوطنية موعد جديد، يحمل دلالة الوحدة الترابية، ويستحضر عمق الارتباط بين الأرض والإنسان والتاريخ والمصير المشترك.
غير أن قيمة الأعياد الوطنية تتجاوز رمزية التاريخ في التقويم؛ فقيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إيقاظ المعنى الكامن وراءه. وعيد الوحدة، في أفقه الأوسع، مناسبة للتأمل في مغرب استطاع أن يحافظ على استمرارية دولته، وأن يواجه تحولات العالم بإرادة التجدد، وأن يجعل من تاريخه رصيداً لبناء غده.
المغرب الحديث امتداد لحضارة عريقة، وهو أيضاً مشروع مفتوح على المستقبل. فمن طنجة إلى الكويرة، ومن جبال الأطلس إلى السواحل الأطلسية والمتوسطية، تتجاور روافد الهوية المغربية في نسيج إنساني وثقافي صنع خصوصية هذا الوطن. العربية والأمازيغية، والصحراء والواحات، والمدن العتيقة والمراكز الحضرية الحديثة، كلها مكونات لحكاية وطن تتعدد فيه التعبيرات، ويجمعه الانتماء إلى أرض واحدة وذاكرة مشتركة.
لقد انتقل المغرب، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، من معارك التحرر واستكمال الاستقلال إلى رهانات بناء المؤسسات وتوسيع البنيات التحتية وتطوير الاقتصاد وتعزيز الحضور الدولي. وتظل هذه المسيرة، بما حققته من تحولات وما واجهته من صعوبات، شاهداً على قدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع عالم لا ينتظر المترددين.
ومن هنا، فإن الحديث عن المغرب الحديث يستدعي استحضار الأوراش الكبرى، من الموانئ والطرق والسكك الحديدية إلى الطاقات المتجددة والصناعات الجديدة والرقمنة، ومن توسيع الشراكات الاقتصادية إلى ترسيخ مكانة المملكة جسراً بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. إنها تحولات ترسم ملامح اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر قوته، وتعزيز قدرته التنافسية، وتوسيع آفاقه أمام الأجيال الصاعدة.
لكن أعظم ما يمكن أن يحققه التحديث هو أن يتحول من مشهد نراه إلى حياة نعيشها؛ أن يجد المواطن أثر التنمية في مدرسته ومستشفاه، وفي فرص العمل التي تتيح له بناء مستقبله، وفي قدرته على العيش بكرامة داخل مدينته أو قريته. فالمغرب الحديث يُقاس بما يشيده من منشآت، وبما يتيحه أيضاً من إمكانات للإنسان كي يتعلم ويبدع ويشارك في صناعة مصيره.
للأرض في الوجدان المغربي مكانة تتجاوز حدودها المرسومة على الخرائط؛ فهي ذاكرة الأجداد، ومجال الحياة المشتركة، وامتداد الحكايات التي تناقلتها الأجيال. ولذلك ظلت الوحدة الترابية قضية ذات مكانة مركزية في الوعي الوطني، ارتبطت بتضحيات تاريخية وبمسار طويل من العمل السياسي والدبلوماسي.
وقد جاء إقرار عيد الوحدة في أعقاب التحولات التي شهدتها القضية الوطنية سنة 2025، ليمنح يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر موقعاً جديداً ضمن المناسبات الوطنية للمملكة. وهو ما يجعل هذه الذكرى فرصة لاستحضار التاريخ، والتأمل في مسؤولية الحاضر، واستشراف المستقبل الذي يطمح إليه المغاربة.
إن الوحدة التي تستحق أن تبقى حية في الوجدان هي التي تمنح المواطنين شعوراً عميقاً بالانتماء، وتجعل اختلاف جهاتهم وأصولهم وظروفهم مجالاً للتكامل. فالوطن الواحد تتعزز قوته حين يشعر أبناؤه بأن لهم مكاناً فيه، وأن كرامتهم مصونة، وأن فرصهم في التعليم والعمل والحياة الكريمة تتسع بعيداً عن الفوارق المجالية والاجتماعية.
ومن هذا المنظور، تتكامل الوحدة الترابية مع التنمية المجالية، وتلتقي السيادة الوطنية مع بناء اقتصاد قوي، ويتعزز الانتماء حين تترجم المؤسسات مسؤوليتها إلى خدمات عمومية ذات جودة، وعدالة في توزيع الفرص، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.
لقد أثبت المغرب قدرته على إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، وبناء شراكات دولية، وتطوير بنياته الإنتاجية واللوجستية. وتلك عناصر مهمة في مسار التحديث، غير أن المرحلة المقبلة تقتضي تعميق الصلة بين هذه الإنجازات والتحولات التي ينتظرها المواطن في حياته اليومية.
فالتقدم الاقتصادي يحتاج إلى تعليم يفتح أبواب المعرفة، وتكوين يستجيب لحاجات سوق الشغل، وبحث علمي يخلق القيمة، وإدارة فعالة تجعل خدمة المواطن أساس عملها. كما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة، وإلى ثقافة عامة تجعل المسؤولية والمحاسبة والإتقان جزءاً من الممارسة اليومية.
وفي مغرب الغد، ستزداد أهمية الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والابتكار والطاقات النظيفة. ولن يكون الرهان الحقيقي في امتلاك التكنولوجيا وحدها، وإنما في القدرة على توظيفها لتطوير المدرسة والمقاولة والإدارة، وخلق فرص جديدة للشباب، وتقليص الفجوات بين المجالات والفئات الاجتماعية.
وهنا تبرز قيمة الاستثمار في الإنسان؛ فالمدرسة التي تكتشف موهبة طفل في قرية بعيدة، والجامعة التي تحول فكرة إلى ابتكار، والمقاولة التي توفر عملاً لائقاً، والإدارة التي تنصف مواطناً، كلها تسهم في بناء السيادة الوطنية بمعناها الشامل. فالدولة القوية هي التي تجمع بين قوة مؤسساتها وقدرة مجتمعها على الإبداع والإنتاج والتجدد.
إن الاحتفاء بعيد الوحدة يفتح أمام المغرب أفقاً للتفكير في المستقبل الذي يريد أن يصنعه. فالتاريخ يمنح الأمم جذورها، غير أن ازدهارها يتوقف على قدرتها على تحويل تلك الجذور إلى طاقة للبناء.
ولعل أجمل وفاء للوطن أن تتحول محبته إلى عمل متقن، وأن يصبح الاعتزاز بتاريخه حافزاً لتجويد حاضره، وأن تتجسد رموزه الوطنية في سلوك يومي يقوم على احترام القانون، وصيانة الممتلكات العامة، وإتقان العمل، والدفاع عن المصلحة المشتركة.
إن المغرب الذي نتطلع إليه هو مغرب تتعانق فيه أصالة الدولة مع حداثة المؤسسات، وتتقدم فيه التنمية جنباً إلى جنب مع العدالة الاجتماعية، وتصبح فيه المدرسة رافعة للارتقاء، والمعرفة مصدراً للقوة، والشباب شريكاً في صناعة القرار والمستقبل. مغرب يعتز بامتداده الإفريقي والمتوسطي والعربي، وينفتح على العالم بثقة، مستنداً إلى هويته وإلى ما يملكه من طاقات بشرية وثقافية واقتصادية.
وفي الذكرى الأولى لعيد الوحدة، تتجدد الحاجة إلى رؤية تجعل من الوحدة مسؤولية جماعية، ومن التنمية التزاماً مستمراً، ومن المواطنة علاقة تقوم على الحقوق والواجبات والثقة. فالأوطان العظيمة لا تعيش على أمجادها وحدها؛ إنها تستمد عظمتها من قدرتها على تجديد أسباب القوة، والاستجابة لتطلعات أبنائها، وصناعة مكانتها بين الأمم.
المغرب أكبر من لحظة عابرة في التاريخ؛ إنه حكاية دولة وشعب وأرض، تتعاقب فيها الأجيال وتظل فيها فكرة الوطن حية. وفي كل عيد وطني، تتاح لنا فرصة كي نستعيد هذه الحقيقة، وننظر إلى ما أنجزناه بوعي، وإلى ما ينتظرنا بعزم، وإلى المستقبل باعتباره مسؤولية نتقاسمها جميعاً.
فلتكن الذكرى الأولى لعيد الوحدة موعداً يتجدد فيه الوفاء للمغرب، أرضاً وتاريخاً وإنساناً، وتتعزز فيه الإرادة لبناء وطن تلتقي فيه قوة السيادة بكرامة المواطن، وعظمة الذاكرة بآفاق المستقبل.
دام المغرب موحداً، عزيزاً، متجدداً، وماضياً بثقة نحو المستقبل.