يتابع العالم باستغراب بالغ، وبحزن عميق، وأحيانا بشماتة منقطعة النظير، أحداث العنف والفوضى التي تشهدها عدّة مدن أوروبية! نعم أوروبا، فبعد مدريد وباريس امتدّت عدوى الخراب المسعور إلى ميلانو وبرشلونة! أليست هذه أوروبا الأنوار والحريات والحقوق؟ أليست موطن سيادة القانون والديموقراطية الفعلية؟ أليست بلاد فولتير وروسو وكانط وراسل؟
BismiAllah c’est les ténèbres” “بسم الله إنها الظلمات”
كانت هذه إحدى الشعارات التي رفعها المتظاهرون في فرنسا خلال الاحتجاجات التي أشعلت البلاد، عبارة عالية الكثافة سائلة الدلالات والمعاني! إنها شعار الخريف الأوروبي التي أعقب الربيع العربي! لا يمكن التغاضي عن المفارقة التي تحيل إليها العبارة بوضوح، إنها تبِعات الإسلاموفوبيا والتشجيع على الكراهية، وتبرير العنصرية تجاه المهاجرين التي طبعت الخطاب الرسمي في الإعلام الأوروبي لسنوات، خاصة بفرنسا.
يعزو المتابعون أحداث العنف الحالية لسياسات الهجرة الفاشلة التي ضخّت أعدادا كبيرة من المهاجرين دون ضمانات اندماج حقيقية أو آليات تذويب ثقافي فعالة؛ في حين إنها سياسات اضطرارية انبثقت عن ضغط الاقتصاد الصناعي الأوروبي الذي يزداد حاجة لليد العاملة يوما بعد آخر، حيث يتم استيراد جماعات بشرية باعتبارها مجرد أرقام داخل دواليب الاقتصاد المتسارع، الذي يلهث من أجل مواكبة أقطاب صناعية جديدة مثل الصين رفعت الإيقاع إلى مستويات جنونية؛ وفي خِضم هذا الصراع الامبريالي المحتدم، يُطلب من العمالة البسيطة المهاجرة التخلي عن ثقافاتها وخصوصياتها ومعتقداتها وماضيها، هكذا ببساطة، إنه منطق تشييئي للإنسان.
لم تكن هذه السياسات معزولة، إذ رافقتها أحيانا توجهاتٌ إقصائية في المؤسسات الرسمية خاصة هياكل السلط التشريعية، والإعلام نحو كل ما هو أجنبي سيّما السود والمسلمين، من حيث هي أكثر الفئات هجرةً نحو أوروبا، وبالموازاة، من أكثر الجماعات البشرية تضررا من الكولونيالية التي جفّفت الموارد الطبيعية بتلك البلدان لحوالي مئتي سنة أو يزيد؛ متسببة في إفقار تلك الشعوب، وتعميق جهلها، ومعاناتها من ضعف الخدمات الأساسية والشروط الدنيا للعيش الكريم، لتجد نفسها مُجبرة على الهجرة في النهاية، إنها حلقة مفرغة عبثية!
جورج فلويد أمريكا 2020، عبد الرحيم فقير إيطاليا 2026، أداما تراوري فرنسا 2016، نائل مرزوق فرنسا 2023… إنها أحداث مُتّسقة زمنيا وجغرافيا، تكشف عن نزوع نحو التطرف في احتواء القضايا الاجتماعية العالقة؛ وبالتالي يُفضي التعامل معها بالعنف، واعتماد المقاربات الأمنية الصِّرفة إلى الكراهية المضادة والتخريب والعبث والفوضى والظلمات.
إن تشجيع خطاب اليمين المتطرف، والبحثَ فيه عن البديل الممكن لأزماتٍ مركبة تعصف بالامبرياليات الكلاسيكية، والتسامح مع الخطابات السياسية الرعناء التي ما تزال تتوق لعهد الكولونيالية إلى اليوم، والاكتفاء بسياسات الهجرة البراغماتية التي لا تقيم للإنسان من حيث هو كائن ثقافي أي اعتبار، يؤجج المشاعر السلبية والعدوانية بين أطياف المجتمعات من جهة، وبين الأفراد والمؤسسات من جهة ثانية، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة!
لا ينبغي رغم ذلك إلا التأكيد على حق المدنيين من الأوروبيين وغيرهم، في العيش بعالم آمن يحترم الجميع، ونعني هنا الجميع دون استثناء، ولا يُفاضل بين الناس على أساس أصولهم أو لون بشرتهم أو معتقداتهم، ولا ينبغي أبدا أن يدفع أحد من أمنه وممتلكاته ثمن أخطاء بعض السياسيين المتعصبين.
يجب إيلاء أهمية كبرى لتربية هذا الجيل المجنون وفهمه والتعامل معه، جيلٌ نشأ في فضاء رقمي سائل لا حدود فيه ولا أعراف ولا رقابة حقيقية، جيل هش ومُستعجِل وملول ومتقلب المزاج، شبيهٌ حدّ التماهي أحيانا بالأنساق الخوارزمية التي طبّع في عوالمها مع العنف الرمزي والكراهية والإقصاء والراديكالية والدوغمائية.
إن صورة رجل يتعرض للضرب والسّحل لمجرد دفاعه عن متجره ومورد رزقه من جماعةِ مراهقين هم في عمر أبنائه، ومشهد عجوزين تم تجريدهما حتى من ثيابهما في عز برد الخريف دون شفقة، مشاهد من أخرى مرفوضة بالمنطق والعقل والضمير والأخلاق والتاريخ والدين والإنسانية؛ صورٌ تخِز في الضمير الجمعي لإنسانٍ قطع أشواطا طويلة نحو الرقي والتحضر والمدنية، وشرع يهوي سريعا، سريعا نحو الغرائز البدائية التي قد تأتي على كل الإرث الحضاري الإنساني الغنيّ.
أجدور عبد اللطيف