ثقافة و فن

المخرج المغربي عبد السلام الكلاعي يكتب في ذكرى وفاة المعلم والصديق نورالدين الصايل

تذكرتك اليوم يا صديقي، إنه يوم سبت ظهراً كأيام السبت ظهراً التي كنت تفرحني فيها حين يرن هاتفي وأجد إسمك. كنت دائماً تلومني لأنني لم أكلمك أنا أولاً، وتسأل عني وعن أبنائي وعن الجو في العرائش وعن سمك الأنشوة هل هو موجود في الپلاصا. وبعدها نطيل الحديث عن السينما والفلسفة والأدب والصحافة وعن المواقف الطريفة لأصدقائنا المشتركين وعن كل شيء وأي شيء ما عدا عن كرة القدم التي تحبها أنت والتي لا أفقه أنا فيها شيئاً.

أذكر جيداً اليوم التي تحولت فيه من قدوة وأستاذ بعيد المنال إلى صديق. كان ذلك بعد أن شاهدت فيلمي “ملاك” قبل الانتهاء منه، في مختبر المركز السينمائي وفي غيابي، والذي أعجبك ب “قسوته وصراحته وشكله المنحرف”. هكذا “شكله المنحرف” كما قلت لي فيما بعد. لكنك يوم تحولت لصديقي قمت بذلك بفعل طفولي مرح جميل حملك من مقام الأستاذية المرعبة البعيدة لمقام الصداقة الحميمة العميقة. كنت أقف في خلفية قاعة روكسي أتكؤ على ظهر كرسي وأكلم أحداً، فأغمض أحدهم عيناي من الخلف وقال لي : “شكون أنا آ العايل؟” ودون أن تنتظر جوابي نزعت يديك عن عيناي واستطردت: “مالك؟ ما صيبتي فاين تجلس؟” وذهبت سريعاً نحو عمق القاعة لأنك كنت في انتظار ضيوف شرف المهرجان الوطني للفيلم من وزراء ورجال دولة.

كم أسعدتني لعبتك الطفولية الخاطفة التي اخترتها لتكسر كل حدود البعد بيننا ولتكون مفتاح صداقتنا. بعدها بيومين استدعيتني لمائدة عشائك وسهرك وحدثتني طويلاً عن فيلمي وعن أفلام أخرى نحبها. وكأن الصداقة معك لا تنشأ إلا عبر السينما الجيدة !

من يومها صرنا نتبادل المكالمات والنكات والدعابات كصديقين قديمين. غادرت المركز السينمائي، واستمرت صداقتنا بل تقوت أكثر لأنني صرت لا أرى منها حرجاً. قلت لي مراراً أن الكثيرين ممن تملقوا لك وتقربوا منك وأنت في موقع المسؤولية، لم يعودوا يكلمونك وتنكروا لك وابتعدوا عنك تقرباً ممن عوضك بحثاً عمن يساعدهم ويدعمهم كما كنت تفعل أنت. كنت تقول لي ذلك ربما لأنني من القلائل الذين لم يطمحوا في التقرب منك وأنت في موقع المسؤولية وحافظوا على صداقتك بعد مغادرتك لها.

دعوتك مراراً لتزورني في منزلي، لكن أجندتك المليئة لم تسمح لك بذلك وكنت كل مرة تعدني وتؤجل موعد زيارتي، لكنك كنت تكلمني كل يوم سبت ظهراً. ودعوتني مراراً للغداء معاً في طنجة أو أصيلة أو الرباط، وكنت لا أتردد وألقي بعرض الحائط بمشاغلي وأركب سيارتي لألتحق بك ونأكل ونشرب ونتحدث، وفي كل مرة كنت تعدني أن المرة القادمة ستكون في بيتي بشرط أن أطبخ لك “پاهييا مزيانة وقلية ديال بوكوروني عرايشي”. وفي آخر مرة تناولنا الغذاء وعدتني أنك في السبت القادم ستأتي أنت والشوبي وخويي ونسرين لتتغذوا معي في العرائش. لكنك بدل ذلك ذهبت للمستشفى…

اليوم تذكرتك يا صديقي.. منذ عام لم يرن هاتفي يوم السبت ظهراً ووجدت إسمك. منذ عام لم تعاتبني لأنك سبقتني في الاتصال بي. منذ عام لم تغادرنا.. منذ عام وأنا أتذكرك !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى