وجهة نظر

أحمد الخمسي في قلب الأوضاع(13):الحرب والبيانات الحزبية والتوازن الدبلوماسي

عندما يتهيأ حزب ما لإصدار موقف من قضية دولية، يطرح السؤال على نفسه: ما هي الاتفاقيات المبرمة مع اختلاف القوى العالمية التي نُسِجَتْ في إطارها وتحت سقفها السياسة الخارجية للبلد. فالسياسة الخارجية هي المجال الأقل تأثّرا بتغير الحكومات التي تأتي للسلطة عن طريق النضال السلمي.

ولنتخيّل أن حزبا قرّر، بمجرّد توليه السلطة الحكومية، الفك الذاتي لموقفه الحكومي مع رصيد السياسة الخارجية القائمة للدولة، دون اعتبار لمضاعفات القطع مع الاتفاقيات المبرمة، حتى وإن كان برنامجه الانتخابي قد وعد بذلك، للقطع مع تبعية ما ومع إجحاف في المديونية وتنمّر استعماري مستشرٍ، فجانب الاستمرارية في منظومة الحكم، والاحتراز من عزلة البلاد، كلها شروط تقيّد الحكومة الجديدة في البلد. فأول من يردّ على القطع المفاجئ، كل ذوي البرامج المستقبلية للاستثمار، وكذا الشركاء التجاريين والصناعيين الذين هم بصدد توريد معدّات استراتيجية ولنا معهم اتفاقيات لتكوين أطرنا في المجالات الحيوية الاستراتيجية.

وغالبا ما تكون السياسة الخارجية مكتظة بأسرار الدولة التي يحميها القانون من التسرب بادعاء التحوّل السياسي للبلد.

هذه أسس عامة تقضي بكل حزب، وهو مشروع سلطة سياسية في البلد، أن يتدرّب على تحمل المسؤولية بدقّة وهو في المعارضة. فادّعاء الحرص على المصالح العليا للبلد، وطنا وشعبا ودولة، يصبح قولا رصينا وممارسة، عندما يعطي الدليل على حفظ المصالح الآنية المتوفرة في ظل الحكومة التي نعارضها، أما إذا استسهلنا المواقف والقرارات دون تدقيق الحيثيات والاحتراز من المضاعفات السلبية، فمهما كان توجهنا الأصلي في الاتجاه الصحيح، قد نخُطُّ صيغة لا تفي بالغرض. وقد يصبح الموقف المعبّر عنه مشوّش التعبير عما نريده بدقة.

ويمكن أخذ العبرة مما يلي: إن الصين التي لها مصلحة حيوية في انتصار روسيا الاتحادية في هذه الحرب، كي يسهل عليها استكمال وحدتها الترابية بصدد طايوان، لم تتسرّع في التعبير العلني عن مساندة روسيا والحال أن لها حق الفيتو في مجلس الأمن. فعلا تدخلت في صياغة القرار لتخفيفه مقابل امتناعها عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثم هناك نموذج آخر، ألمانيا. خرجت ألمانيا موحّدة من انهيار الاتحاد السوفياتي، وهي تعلم أن الرؤساء السوفيات خلال 70 سنة، أغلبهم لم يكن روسيا، وأغلب الفترة السوفياتية تحمّل فيها المسؤولية ستالين الجيورجي، الذي استقدم أمين سر المخابرات (KGB) من بلده الأصلي جيورجيا (بيريا من يطلع على سيرة بيريا في مذكرات خروتشوف). ثم تبعه خروتشوف الأوكراني التنشئة والتجربة الحزبية، ثم تبعه بريجنيف الأوكراني المولد والجنسية والتنشئة، ولم يقد الاتحاد السوفياتي من الزعماء الروس سوى لينين المؤسس وغورباتشوف المفكّك. وبضع سنين بودغورني وتشيرنينكو.

ألمانيا التي تعلم كل هذه التناقضات، عندما التقى مستشارها الحالي شولتز بالرئيس الروسي بوتين، صرح في الغد: إننا نمر بمرحلة خطيرة. ما معنى أن يصرح المسؤول الالماني الأول بخطورة المرحلة؟ معناه أن الأزمة ليست ككل الأزمات التي مر منها العالم بأسره منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وإعادة توحيد ألمانيا. ولم تمر بضعة أيام حتى سمعنا الحديث عن احتمال استعمال النووي. ألا يدعو هذا للتحفظ الشديد عند صياغة المواقف؟

من يجمع هذه المعطيات كلها، ويستحضر عالم الاقتصادي الانجليزي جون مينار كينز، يوم كتب مؤلفه بصدد “النتائج الاقتصادية لاتفاقية سلام فيرساي” سنة 1919، وكيف استشرف احتمال اشتعال الحرب العالمية الثانية نظرا للحيف البالغ الذي مارسه المنتصرون ضد ألمانيا المنهزمة، بحيث أخذت انجلترا كل الاسطول البحري الألماني، واشتعلت الحرب فعلا بعد عشرين سنة فقط، نعلم ساعتها ما الذي يعنيه تصريح مستشار ألمانيا اليوم مستشعرا خطورة الموقف.

إذا كان قادة أوكرانيا على رأس الاتحاد السوفياتي المنهار،  حكموا روسيا تحت مسمى الاتحاد السوفياتي السابق. وإذا كانت شبه جزيرة القرم روسية حتى سنة 1954، لينقل السيادة عليها من روسيا الى اوكرانيا، الرئيس السوفياتي الأوكراني خروتشوف، فلنسأل ملاك الاراضي بجوار فيكيك التي كانت مغربية قبل 100 عام ما هو الظلم الذي يشعرون به وقد فصلتهم عنها الاسلاك الشائكةكرمز للحدود بين البلدين. عندما نقرأ كتاب ليوطي تحت عنوان “Vers le Maroc 1903-1906″، فتجد أنه كان يعني التوجه الى كولومبشار، ساعتها نتبين أن حكمة المغاربة في التنازل عن جزء من الأرض مقابل السلم مع الاشقاء، لا يعني امتلاك الشعوب الأخرى أولوية السلم وحسن الجوار بدل الحرب.

مع هذه التعقيدات كلها، نحن أمام مليونين من المدنيين العزّل، في البرد والعراء والإفلات من رعب الحرب.

نأتي الآن الى بيان المكتب السياسي للاشتراكي الموحد، نشد على يد الذين أصدروا البيان بينما أخرست ألسن الأحزاب المغربية كلها وإن تكلمت فما سمع أحد بما نطقت.

الموقف جيّدٌ في الفقرات الخمس الأخيرة، لكن الفقرة الأولى التي تصدرته معيبة جدّا كونها تضع بين أسباب النزول وبين تاريخ إصدار البيان أسبوعين كاملين (24فبراير-12مارس).

فإذا كانت السفارة الأوكرانية قد أخلّت بقواعد العمل الدبلوماسي المخول لمهامها، فالبيان جاء في صيغة ستتلقفه كل الأطراف كونه أخلّ في فقرته الأولى بالقاموس الدبلوماسي وبالاحترازات التي جعل إهمالُها يترك القارئ يستخلص كما لو كان الحزب صاحب البيان متحيزاً بصدد الحرب. مما يُضعِف السطر الأخير منه وكأنه لم يكتب سوى على مضض.

إضافة بسيطة: في الطاكسي، سمعت مواطنا من الطبقة الوسطى وقد بدأ يتخلى عن ركوب سيارته بسبب الزيادة في سعر المازوط، يتساءل عن الحكومة لِمَ تفكر في صندوق للتضامن مثل ما فعلت وحسنا فعلت سابقتها بصدد كوفيد. ألم يكن ممكنا إضافة فقرة عبارة تعني الرأسمالية التي تشبه المنشار طالعة في التنمية رابحة ونازلة في الأزمة رابحة من أسعار النفط؟ حتى لا يبقى بيانا يمكن صياغته لحزب غير اشتراكي.

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أحب كثيرا مقالات الأستاذ أحمد الخمسي، وإن كانت لا تعني كافة القراء، الموضوعات التي يشتغل عليها مختلفة ومميزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى