الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم “جبل موسى” أو حينما يصير النص الأدبي رافدا للسينما
أخرج إدريس المريني فيلمه الأول “بامو” سنة” 1983 وكان يومها يتصدى لنوع سينمائي صعب خصوصا في ما يتعلق بالميزانيات الضخمة التي يتطلبها في وقت كانت السينما المغربية مازالت تتعثر في إنتاجاتها كما وكيفا، ونظرا للمشاكل التي واجهها هذا المخرج سينمائيا في مشروعه هذا ابتعد عن السينما وظل يشتغل في التلفزيون فقط لسنوات طوال حتى سنة 2011 حيث أنجز فيلما تخيليا-سيرذاتيا حول مسار لاعب كرة القدم المغربي الشهير العربي بن مبارك بعنوان “العربي مصير أسطورة كرة القدم”، وبعد ذلك أخرج فيلما محترما فنيا بعنوان “عايدة” (2015) ليتبعه سنة 2017 بالفيلم الكوميدي “الحنش” الذي نال نجاحا تجاريا مهما بتصدره للبوكس أوفيس المغربي متقدما على أفلام أمريكية كانت تنافسه في القاعات آنذاك.
نفس روائي
لم أكتب عن فيلم “جبل موسى” لإدريس المريني بعد مشاهدتي الأولى له بعد عرضه خلال فعاليات المهرجان الوطني للفيلم، ورغم أني وجدته فيلما يستحق ذلك فإنني أجلت فعل الكتابة حتى شاهدته للمرة الثانية .
مايخلق تميز فيلم “جبل موسى” هو ذلك النفس الحكائي الآتي من أجواء الرواية، ومصداقية شخوصه الرئيسية التي أداها الممثلون والممثلات بكفاءة ظاهرة للعيان، خصوصا عبد النبي البنيوي ويونس بواب اللذان جسدا الشخصيتين الرئيسيتين بكفاءة المشخصين المتمكنين من أدواتهم حاملين الشخصيتين ومن خلالهما الفيلم على أكتافهما بأداء سلس وتلقائي، رغم أن الحوار في لحظات مهمة من الفيلم يصبح عبارة عن حوار عالم ومثقفي تتحدث فيه الشخصيتان عن قراءاتهما ورؤيتهما الفلسفية للحياة والناس.
الحكي في الفيلم مبني بشكل تتدرج فيه الحكاية الكبرى لتتناسل من خلالها حكايات صغيرة، وذلك بشكل سلس كما مجرى النهر الذي تتفرع منه جداول صغرى. وقد كانت للحظات الفيلمية التي اختارها كل من المخرج وكاتب السيناريو للإفراج عن تلك الحكايات الفرعية توقيتا دقيقا في مجرى السرد الفيلمي بحيث لم تأت مقحمة ولا سابقة لأوانها، إذ يقطر لنا المخرج مسارت الحكي بالقطارة ولا نتعرف على ما حدث لحكيم وجعله يصير في تلك الحالة التي وصل إليها حتى آخر مشاهد الفيلم وهو يحكي لصديقه بالتدريج مروان عما وقع له.
تيمة الصداقة
علاقة الصداقة بين شخصيتي حكيم ومروان عرفت نفس التدرج وخضعت للتركيبة النفسية والإجتماعية للشخصيتين، بحيث نجدنا كمشاهدين مصدقين تلك العلاقة وكيفية وتطورها بين شخصية حكيم، الذي وبعد صدمة موت والده والظروف التي رافقتها أصبح ملحدا و عدميا رغم وبسبب الثقافة الموسوعية التي يمتلكها هاربا من الناس والدنيا لعالم الكتب والمعرفة، وشخصية مروان المتدين بشكل معتدل والذي لا يجد غضاضة في شرب الخمر بعد صلاة العشاء مرددا مقولة “بعد العشاء إفعل ما تشاء”، وهنا يجب الإشارة إلى أننا نشاهد ربما لأول مرة شخصية بهذا البعد المغربي من لحم ودم والقريبة من الواقع في السينما المغربية أداها باقتدار كبير المتميز عبد النبي البينيوي الذي كان يستحق جائزة التمثيل في الدورة الأخيرة للمهرجان الوطني للفيلم إما لوحده أو مناصفة مع أسعد البواب.
شخصيات ثانوية أساسية
الشخصيات الثانوية في “جبل موسى” وظيفية وتكمل الشخوص الرئيسية كونها مهمة في الحبكة الرئيسية للفيلم ولا يمكن الإستغناء عنها وإلا اختل السرد الفيلمي، فلا عايشة التي سنعلم فيما بعد أنها الأم الحقيقة ولا العشيقة أيضا كان دورهما جد مهم في مسار الفيلم، أما بخصوص شخصية الفقيه فهنا فقط يبدو بعض الإقحام خصوصا في الربع الساعة الأخيرة من الفيلم، حيث يمكن الإستغناء عن المشهد المتخيل من طرف مروان دون أن يختل السرد الفيلمي نهائيا.
الموسيقى في الفيلم وظيفية ترافق الأحداث وتعلق عليها بشفافية وليست استعراضية وزائدة ومزعجة كما نجدها في بعض الأفلام السينمائية المغربية.
خلاصة القول حول هذا العمل السينمائي أن المخرج كان فيه مايسترو الأوركيسترا دون أن يحاول إقحام نفسه في اختصاصات تضر في كثير من الأحيان العمل السينمائي أكثر مما تنفعه، حينما يفرض المخرج نفسه عليها ككتابة السيناريو مثلا، الذي نجده في هذا الفيلم محبوكا ومشتغلا عليه بشكل متمكن منه رغم أن الرواية كانت هي السند والركيزة للعمل لكن تحويلها للغة الصورة جاء ناجحا وبدون خسائر تذكر.
لم يقدر فيلم “جبل موسى” حق قدره من ناحية منحه الجائزة المستحقة خلال المهرجان الوطني للفيلم، حيث رأينا ما وقع وكيف سارت الأمور بخصوص الجوائز والضجة التي رافقتها، رغم أن أفلاما أقل منه مستوى نالت جوائز حرم منها هذا الفيلم. لكن الذي يجب التأكيد عليه أن دورة “سينما المؤلف” في المغرب قد وصلت للحضيض كون كثير من الأفلام يَدَّعي مخرجوها الإنتماء لهذا التيار أظهرت ضعفها الكبير، ولذا ومن خلال الحديث عن فيلم تميز بقوة اتكائه على نص أدبي ننادي أن تتجه السينما المغربية للأدب المغربي الغني بنصوصه لتنهل منها وترقى بمستواها للأحسن.




