مجتمع

أحمد حبشي : سيـــــدة عــــــزتنا في ذكرى أسية الوديع

                                 

من يعيد للمجد صولته وللصدق هيبته، من تسعدنا بسمته ويخرجنا من ضيق الحال. منتهى الكلام لا يحد من صخب السؤال، سيظل يؤرق وحدتنا حين نجابه أهوال أيامنا. حين تتوالى زفرات الحسرة ونقول كانت هنا، تردد نفس العبارة ” أش كاين ” تمتد يدها لتفض كل أشجان قسوة غصتنا. تعيد للروح بهجتها وتجفف دمعة كادت تخنق الأنفاس.       اليوم تدعونا روحها لنستعيد صفاء مودتها وسعة حدبها. في خاطر كل منا حكاية وشعاع بسمة وانفطار قلب. فورة غضبها حين تتسع شعاب المظالم في حضرتها أو تصلها أوار الاستهتار بمن صارت اعناق الناس تحت دناءة عجرفتهم وسفالة قسوتهم. فبقدر ما كانت تسعدنا بسمتها وابتهالات روحها، بقدر ما كان يرجنا شواظ غضبها. اليقين الذي يجمعنا منذ ذلك الحين ، أن التي احتضنت مودتنا وساقت خطونا لرحاب عفتها وسمو عزتها وأصول مجدها، كانت تطفح رأفة لا تتردد في الاستجابة لمستغيث ولا تصد طلب محتاج لقطرة من دمها.

كنت رفقتها حين تجبر أحدهم على أحد البسطاء، ضايقه وجوده وهو يعبر إلى الطريق بمحاذاة سيارته التي كان يحاول أركانها قرب الرصيف الذي كان يعج بالمارة، دمره بوابل من الشتم البدئ والتحقير الفج، والناس يحاولون كف فحيحه السليط. لم يسعفها صبرها، وهي تعاين رجة الخوف تدب في أوصال البئيس الذي اعتذر عن جرم لا ملامح له، على أن تترك البطش يتمادى والناس تستعطف جبروته. فاجأته بأن يطلب حضور الشرطة وأنه لن يتحرك من مكانه إلا بحضورها، وأظهرت له أنها شاهدة في النازلة وأن وقوفه بسيارته في مكان يمنع فيه الوقوف. ابتهلت الوجوه التي كان يعتصرها غم البطش والاستعلاء. لم تكن تقوى على الصراخ ورد الصاع. حافظت على هدوئها، فتحول الطاغية إلى حمل يستنجد الرأفة مدعيا ان موعد اقلاع طائرة ابنته يقترب، وأن رحلتها ستضيع إن لم تغفر له زلته. تدخلت ابنته ومن عاين ما حدث باستعطاف ودعوتها لغض الطرف. اكتفت بأن انسحبت رفقة الذي استعاد كرامته وعزة نفسه، في حين انسل الطاغية هاربا من مأزقه.

تلك كانت خصلة من خصالها التي بوأتها الموقع الرفيع في قلوب آلاف المستضعفين ومهضومي الحقوق. فلروحها الطاهرة أزكى سلام.

لا شك أننا نحملها كمنارة نهتدي ببريقها وأننا اهتدينا إلى أن العزة وصون الكرامة، لا نستحق شرف نيلهما إلا بسعينا الدائم بالدفاع عن عزة وكرامة الآخرين الذين خذلهم الزمان وجار عليهم من أوكل إليهم تدبير شؤونهم.

هي لا تعبرنا الآن كذكرى، آهات وابتهالات لنذرف دمعة، هي آيات من وجد ونور من سنا يذكي فينا سخاء العطاء، تمتد في أترابنا بدرة يقين أننا من سلالة الزاهدين الواثقين بأن الحياة أواصر مودة وقلب رحيم  فلنواصل رفع هاماتنا ونحن نطوي الخطو على نهج ملتها ما استطعنا للوفاء سبيلا.

أحمد حبشي

نونبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى