ثقافة و فن

أندريه تاركوفسكي، المخرج الذي شعرن الفن السابع

أحمد رباص

نشر مبارك حسني مقالا مصوغا بلغة موليير بالعنوان أعلاه على صفحات موقع albayanepress.ma يوم 17 مارس الجاري.
في الفقرة التقديمية التي تتصدر المقال، قال حسني إن “أفلام أندريه تاركوفسكي تتحدى توقعات ملخصاتها وهي تشرفها. ما تعلنه موجود، ولكن في كثير من الأحيان كخلفية تتلاقى نحوها الأفلام بينما تبتعد في الوقت نفسه. إنها تقدم مسالك مختصرة نحو قصة محتملة وهي تتأمل فيها، خارج إطار الكاميرا الذي ليس في الواقع واحدا، ولكنه ينير المشاهدة ببصيرة. إنها دعوة خفية للإبداع الضمني.”
وفي بداية قسم عنوانه “طريق بديل للولوح”، أشار كاتب المقال إلى أن هذه هي الطريقة التي تتجاوز بها أعمال تاركوفسكي السينما البسيطة، وتزعج بشدة هدوء المشاهد غير المبتدئ. وأكد أن سينماه، المعروفة بصعوبة الولوح إليها، تتطلب شجاعة والتزاما حسيا وفكريا سواء بسواء، وأن عدم رؤيتها يعني فقدان تجربة روحية وشخصية.
وإلى ذلك اضاف مبارك حسني أن تاركوفسكي يضع “المشاهد على قدم المساواة مع الفنان في عملية إدراك الفيلم”.
تاركوفسكي نفسه لم يبدع في دعة وسلام، كما يلاحظ الكاتب، بل تتخلل رحلته السينمائية تتجريبات واستبطانات حيث يلعب الأسلوب دورا مركزيا. إن أعماله التطهيرية، المحررة إياه من أهوائه، تتم بين المعاناة والمنفى، وتتأرجح بين الإنجاز الشخصي وعداء العالم، يقول الكاتب.
ثم يسترسل: “ليس هناك ما هو أكثر تماسكا، حيث تتعمق سينماه في الحقائق الأساسية العميقة للوجود الإنساني من خلال العواطف والمشاعر، وتحولها إلى أمراض قاتلة تؤدي إلى أزمات وجودية”.
بالنسبة إلى تاركوفسكي، ما يهم في السينما هو العواطف: «في أفلامي، لم يلعب الفعل دورا مهما أبدا. أحاول أن أنقل المعنى باستخدام كائنات ليست بالضرورة مترابطة منطقيا. إنه تدفق الفكر الذي يوحدها في كل داخلي”.
في القسم للثاني من مقاله الذي صاغه تحت عنوان: “الميتافيزيقا الشعرية”، أكد مبارك أن تطور التأملات العميقة، التي أصبحت “تاركوفسكية” بشكل مميز ومشبعة بالميتافيزيقا، يتم التعبير عنها من خلال منظور السينما. وعن ذلك، يترتب إنتاج “تفكير فلسفي يهدف إلى الفهم العقلاني لطبيعة الأشياء”.
تاك مقاربة يتم من خلالها تجسيد صور مؤثرة تعكس مكانة الإنسان كفرد في مواجهة العناصر التي تساهم في تشكيل حقيقته: الحياة، الموت، العزلة، الحب، الذكريات، التطلعات، الأحلام، الأوهام والرغبات.
كل ذلك تم بناؤه من خلال مونتاح لا يعتمد على «المنطق الشخصي للذات»، بل على تدفق الأفكار. يشرح تاركوفسكي: “أحاول تطبيق مبدإ في مونتاج الأفلام يسمح لي باستخدام المنطق الذاتي – الفكر، النوم، الذاكرة – بدلاً من المنطق الشخصي للذات. أبحث عن نموذج ينشأ من الوضع الحقيقي والحالة الروحية للشخص، أي العوامل التي تؤثر على تصرفاته. وهذا هو الشرط الأول للتعبير عن الحقيقة السيكولوجية».
يتبنى تاركوفسكي، بحرية، طريقين متميزين، روحية وشعرية. إن تفكيره الفلسفي، كما يقول هو نفسه، يفتح نافذة على عالمه ويترك للمشاهد خيار قبوله أو رفضه باعتباره شيئا عديم الفائدة بالنسبة إليه. إن الصورة التي يخلقها المؤلف تتجاوز دائما أفكاره، والتي تصبح ثانوية بالنسبة للرؤية العاطفية للعالم الذي يتم تلقيه كوحي. وإذا كان الفكر محدودا، فإن الصورة مطلقة. إذن، هناك تواز، بالنسبة للمتلقين روحيا، بين المشاعر التي يشعرون بها أمام العمل الفني وتلك التي يشعرون بها في تجربة دينية بحتة.
إن التأمل يتجاوز التفكير عندما نفكر من خلال الصور. كل فيلم له قصدية رئيسية، وكل لقطة تسترشد بقصد يظهر. ويتم تحقيق ذلك من خلال المواءمة بين التطلع إلى الفن من جهة والمكان المخصص للروحانية، بما يتجاوز المادة من جهة أخرى. في الأساس، تستكشف هذه السينما الميتافيزيقية الروابط بين الإنسان وفنه وروحانيته من منظور خالد.
في جميع أفلامه، كان تاركوفسكي مفعما بالحيوية بعمق من خلال التفكير الفلسفي المشوب بالتصوف، حيث يعارض العقل بالإيمان، والمادة بالروح، والواقع بالسريالية.
عند هذا الحد، طرح كاتب المقال هذا السؤال: كيف يعبر عن نفسه سينمائيا؟ بكل بساطة، من خلال الانغماس في جو شاعري قادر على التعبير عن الجمال الجوهري للعناصر وجعل الناس يشعرون به. كما بين أن “الشعر هو وسيلة لإدراك العالم، وهو موقف خاص تجاه الواقع”.
ثم يقرر أن تحول أفلام تاركوفسكي تحولت إلى قصائد سينمائية حقيقية، مستشهدا بشذرة من كلام المخرج يقول فيها: «ما يهمني هو التماسك والمنطق الشعري في السينما. أليس هذا هو ما يناسب السينما، الفن الذي يمتلك القدرة الأكبر على الحقيقة والشعر؟ »
هذا الشعر واضح من خلال الصور التي أعيد التفكير فيها بطريقة غير خطية، مما أدى إلى إزالة الحد الأدنى من حيادها. هكذا تغدو الأحلام، من بين أمور أخرى، عناصر من الواقع المصور. وهكذا يتم تجاوز الحدود بين الصواب والخطأ، الواقع والوهم، العالي والوطيء، مما أدى عمدا إلى خلق تناقضات غير واضحة، ومتشابكة بمهارة.
يُترجم ذلك إلى الانغماس في تجربة حسية وجودية عميقة ومكثفة، “الوجود كواقع ملموس، تجربة الحرية دون تنازلات”، والتي أصبحت ممكنة من خلال تجاوز حدود السينما دائما، وبالتالي اختبار مثابرة المشاهد أثناء المشاهدة.
عن ذلك وفيه يقول المخرج السينمائي: “كل ما أريده هو إيقاظ المشاعر والأفكار المبنية على التعاطف في عالمك الداخلي”.
تنطوي هذه المقاربة على القبول، من ناحية، بخطى بطيئة للغاية، ومن ناحية أخرى، بفجائية الانتكاسات غير العقلانية. يتحول الفيلم إلى رحلة استهلالية تحفزها كاميرا تأملية، عبر إخراج يحبس الأنفاس، تكشف تعقيدات العالم بفضل الإبداع اللامحدود، وهو ما ينعكس في إيقاع الفيلم نفسه، حيث تتتابع المشاهد التأملية، في براعة وكثافة لا مثيل لهما، وحوارات ذات أهمية تأملية متعالية، وإنتاج ذكي. أضف إلى ذلك المرونة التي تركز على التصوير الفوتوغرافي الذي تم استكشافه بعمق وفي إمكاناته الفنية المختلفة، والتأرجح بين التلاعب المذهل للضوء بالأبيض والأسود ومشاهد الألوان المتقنة تماما.
بالإضافة إلى ذلك، تستغل المخططات المصممة بعناية المساحة بطريقة جديدة ومدروسة، مع مراعاة إمكانياتها الخفية.
إنها سينما حولت فن صناعة السينما، وبالتالي حولت جوهرها للاستجابة لمهمة محددة: شعرنة الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى