وجهة نظر

مستقبل المؤمنين بمحورية الإنسان وكونيته بعد الحرب العالمية الثالثة

منير الطاهري

الحرب العالمية الثالثة إلى زمن قريب كانت مجرد فرضية كشف عنها بعض المفكرين، الماركسيين منهم على وجه الخصوص، كشرط تاريخي ضروري لاستمرارية نظام رأسمالي متأزم من حيث بنيته الاستغلالية القائمة على النهب والتوسع والاستنزاف.
في جيلنا لم نكن نعتقد بأن هذه الفرضية قابلة للتحقق في ظرف نظام دولي مؤسس على مجلس للأمن الدولي وهيئة للأمم المتحدة ومراقبة مؤسساتية دولية بغرض الإبقاء والتحكم في الصراعات الإقليمية من خلال جرعات من التدخلات الإنسانية وحصرها داخل محيطها الإقليمي كي لا تتوسع إلى حرب كونية كبرى.
فجأة، وجدنا أنفسنا أمام صراع روسي اوكراني كشف بالملوس عن هشاشة النظام المؤسساتي الدولي الذي استقرت عليه البلدان المنتصرة في الحرب العالمية الثانية والتي كانت روسيا جزء منها إلى جانب بلدان أخرى اعتقدت في لحظة تاريخية مفصلية أن للسلم الدولي قيمة أرقى وأكثر أهمية من نزعات الصراع والمواجهات المسلحة.
المرحلة، مع الأسف، كانت مناسبة لاستنبات كائن غريب في الشرق الأوسط والتوافق على إمكانية وجوده وتوسعه خصوصا بعد انتكاسة 1948 ونكبة 1967 وما تلاها من اتفاقات سلام توجت بإعدام الزعيم المقاوم صدام حسين صبيحة يوم عيد الأضحى الإبراهيمي الإسلامي كإشارة إلى جميع شعوب المنطقة بأن إسرائيل جزء من السلام الدولي أوكأنها صفقة متفق عليها بعد الحرب العالمية الثانية أي قبل سنوات من تحقق وجودها ككيان غريب بالمنطقة.
وبالفعل فإن إنهاء التهديد العراقي، في هذه المرحلة، سمح ببروز جيل تلمودي متطرف في الدولة الصهيونية يدعو إلى ترسيم الأسس الدينية لدولة الكيان الصهيوني على أساس الإقصاء والتوسع وإباحة القتل والإبادة.
أكاديميا، كانت هاته المرحلة كذلك، فرصة ملائمة لإعادة مساءلة النظام الدولي والسلم الدولي، رغم أن هذه المساءلة لم تمنع من تنامي وانتصار تيار يزعم بروز نظام دولي جديد ويدافع عن أحاديته القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ويسوق إعلاميا لانهزام المعسكر الشرقي أمام صراعاته الداخلية وبسبب تأزم أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية.
الصراع الروسي الأوكراني وقبله الصراع الصيني التايواني الصامت وفي قلبهما صراع محور المقاومة في الشرق الأوسط ضد توسع أمريكي مغتصب للأراضي الفلسطينية على ايادي عملاء دينيين لتحقيق دولة دينية توسعية مهيمنة ومطبعة في المنطقة، كشف المستور وجعلنا وجها لوجه أمام حقيقة النظام الدولي الحالي.
سنـتأكد أننا فعلا أمام نظام امبريالي يستعمل عقيدة الاستعمار والتوسع كأساس لاستمراريته أمام ازماته الذاتية المزمنة، أمام نظام لا يخجل من أإخراج ورقة الدين كمطية أو جوكير استراتيجي للتحكم في الأسواق والجغرافيا الإنتاجية الدولية، ولا يجد حرجا في الكشف عن وجهه الحقيقي بتبنيه ورعايته لدولة دينية في في أرض فلسطين وفي الشرق الأوسط كخازوق صلب لمواجهة نمط الإنتاج الآسيوي القديم وجبره على الاندماج والانتقال في نظام رأسمالي جديد بهوية دينية متحكمة بعد سرقة ترابه ووطنه.
مشروع أصبح امام التطورات الخالية دليلا على تلمس مؤشرات الحرب الكبرى المحدقة بالعالم من خلال هذا الاختيار، خصوصا أمام صمود محور المقاومة واستماتة المقاومين الفلسطينيين المتفطنين لمشروع الإبادة الملحق بهم برعاية من النظام الدولي الهش والمزعزع عن أصوله الاتفاقية بعد الحرب العالمية الثانية؟
الحديث عن الحرب الشاملة في المنطقة كشرط أساسي لإيقاظ الحرب الكبرى أو الحرب العالمية الثالثة أصبح موضوع حديت أغلب المحللين والمتتبعين رغم أن ظهور اطروحات تنظيرية للفصل بين الحرب الشاملة والحرب الكبرى، وهي أطروحات تعتقد أن إمكانية قيام الحرب الشاملة تبقى قائمة لكنها ليست دليلا كافيا لإشعال الحرب الكبرى أو العالمية الثالثة، لأن الرد الإيراني المرتقب على مقتل إسماعيل هنية على التراب الإيراني من طرف الموساد إن لم يكن متوازنا مع الجريمة فإنه سيؤدي لتدخل أمريكي قوي دفاعا عن إسرائيل وسيكون دريعة للإطاحة بالمشروع النووي الإيراني والأكثر خطورة أنه سيتيح التوسع الإسرائيلي في المنطقة بأريحية وبلا قيود، ولن تجد إيران من بلدان مناصرة لها في هذه المغامرة.
الحرب الشاملة التي قد تشعلها إيران ضدا عن محور بريطانيا أمريكا وفرنسا هي حرب دينية وصليبية في جوهرها لأن هذا المحور يعتبرها فرصة للقطع مع أي مشروع إسلامي مزعج في المنطقة وهي في النهاية حرب الخلاص الأخير للطرفين معا.
إيران تتريث في دراسة الرد عن اغتيال إسماعيل هنية على أراضيها لأنها غير متأكدة من أن الحرب الشاملة التي ستتولاها نيابة عن شعوب المنطقة قد تكون الفتيل الأولي للحرب الكبرى العالمية، وغير متأكدة كذلك من حجم الرد الأمريكي ومستواه وآثاره على البنيات التحتية الإيرانية والمجتمع والنظام السياسي ككل بسبب إدراكها باحتمال تطورالحرب إلى قصف نووي غادرعلى عاصمتها ومنشآتها العسكرية والنووية، والأكثر خطورة أنها غير متأكدة من الموقف المحتمل للصين وروسيا في هذه المواجهة ولاتتحكم بما فيه الكفاية في المصادفات والتفاصيل الممكنة لنشوب حرب كبرى بمشاركة ودعم دولتين نوويتين كالصين وروسيا.
رغم كل هذه الاعتبارات فالحرب الشاملة، أمر وشيك رغم استبعاد فرضية أي دعم جزائري أو مغاربي أو تركي أو حثى مصري ضد الهجمات العدوانية الهمجية المرتقبة على إيران والعراق وعلى لبنان وسوريا واليمن من طرف التحالف الأمريكي البريطاني الفرنسي دفاعا عن إسرائيل.
مسألة في غاية من الدقة، وهي أن الحرب الشاملة، قد تكون مختلفة، لأنها من الممكن تاكتيكيا أن تنهج حرب المقاومة الفلسطينية بواسطة أنفاق وجماعات مسلحة مستقلة وبإمكانات للتسليح الذاتي والتوريد السري، وهو الأمر الذي يرشحها لأن تكون حربا مستنزفة طويلة الأمد رغم شراسة العدوان المرتقب على أراضي شاسعة ملغومة بجماعات مسلحة مؤهلة ومزودة بمختلف أنواع الصواريخ.
الحرب الكبرى هي أمر ممكن كذلك، لأن استمرار الصمت الروسي الصيني عن المحاولات التوسعية الأمريكية بواسطة عملائها في أوكرانيا والتايوان لن يصبح ممكنا إن لم تبد الولايات الأمريكية المتحدة تنازلات كبيرة في دعمها لهذه الأنظمة العميلة، وإن استمرت في تعنتها ودعمها لهذه الأطراف فإن دخول روسيا و الصين سيكون أمرا طبيعيا، ليس للمزايدة فقط ولكن لأن احتمال طول الحرب الشاملة سيسمح بمصادفات كثيرة لاندلاع الحرب الكبرى .
الحرب الكبرى الثالثة، هي حرب نووية بالضرورة، هي حرب استئصالية لجميع أشكال التعنث والمزايدات والتي قد تدفع إيران والكيان الصهيوني فاتورتها الأساسية لأنهما ستكونان المحور الأول للمواجهة النووية المقبلة.
لا أعتقد أن أمريكا ستخرج منتصرة في هذه الحرب كما فعلت في الحربين العالميتين السابقتين، كما أن لا أحد سيخرج منتصرا من هذه الحرب إن بلغت دروة نووية محتدمة، بما في ذلك روسيا والصين أو بريطانيا وفرنسا إن امتد إليهما النزاع والقصف النووي،
الحرب الجزائرية المغربية هي أمر محتمل كذلك في هذه الحرب كما ان حروبا صامتة كثيرة سيتم إيقاظها من طرف هذه الحرب الكونية اللعينة في القارة الإفريقية إن لم تلتزم بعض البلدان حياديتها وعدم انحيازها للأطراف المتصارعة.
السؤال هو: أي عالم ممكن بعد الحرب الكونية القادمة؟ هل ستحسم الإنسانية مع صراعاتها العرقية والدينية إلى الأبد؟ وهل سنتمكن من إنهاء مشاريع إقامة الدولة الدينية في جميع بلدان العالم بعد تقويض النمودجين الصهيوني والإيراني؟ وأي هيئات دولية جديدة لحماية السلم والبيئة والإنسانية من المشاريع التدميرية التي تؤدي بالبلدان إلى استعمال الطاقة النووية لأغراض تخريبية؟
الحرب القادمة، رغم فضاعتها، هي كذلك، فرصة تاريخية ممكنة وأخيرة للقطع مع النظام الرأسمالي الاستغلالي المتوحش القائم، ولإعادة بناء العالم على أسس الأخوة الإنسانية والمساواة والتوزيع الدل للثروات وسيطرة الإنسان على مقدراته الطبيعية والعقلية وتوجيهها نحو الكفاية والسعادة الإنسانية والقطع مع مشروع التقسيم الدولي للعمل.
أو على الأقل هي مخاض تاريخي مهم ستتعلم منه الأجيال التي سيكتب لها البقاء على قيد الحياة، أن النظام الرأسمالي الاستنزافي والاستغلالي الذي عاشته البشرية في مرحلة من الزمان هو نظام محتال نزق لا يؤمن بالعقلانية والحداثة وإنما يسخر الشعوب والثقافات الأصلية لضمان استدامته وتوسيع الأسواق واستنزاف الثروات بما فيها اليد العاملة وأن الوقت قد حان لمراجعة هذا النظام والانتقال به بشكل سلس نحو نظام إنتاجي تعاوني يعيد توزيع فائض القيمة بشكل عادل بين جميع الفاعلين من عمال دهنيين وتقنيين ويدويين وغيرهم في إطار أنظمة سياسية أكثر ديموقراطية وتفويضا لتدبير السلاسل الإنتاجية تعيد المعامل والأراضي والمختبرات إلى أهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى